الْإِجَابَة ، وتمرن بِصفة الْحُضُور فتح لَهُ بَاب الرَّحْمَة فِي الدُّنْيَا ، وَنصر فِي كل داهية ، وَإِذا مَاتَ ، وأحاطت بِهِ خطيئته ، وَغَشيتهُ غاشية من الهيئات الدُّنْيَوِيَّة توجه إِلَى الله توجها حثيثا كَمَا كَانَ تمرن بِهِ ، فيستجاب لَهُ وَيخرج نقيا مِنْهَا كَمَا تسل الشعره من الْعَجِين .
وَاعْلَم أَن أقرب الدَّعْوَات من الاستجابة مَا اقْترن بِحَالهِ هِيَ مَظَنَّة نزُول الرَّحْمَة إِمَّا لكَونهَا كَمَا لَا للنَّفس الإنسانية كدعاء عقيب الصَّلَوَات . ودعوة الصَّائِم حِين يفْطر ، أَو معدة لَا لاستنزال جود الله كالدعاء يَوْم عَرَفَة ، أَو لكَونهَا سَببا لموافقة عناية الله فِي نظام الْعَالم كدعوة الْمَظْلُوم - فَإِن لله عناية بانتقام الظَّالِم - وَهَذَا مُوَافقَة مِنْهُ لتِلْك الْعِنَايَة ، وَفِيه " فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب " أَو سَببا لازورار رَاحَة الدُّنْيَا عَنهُ ، فتنقلب رَحْمَة الله فِي حَقه متوجهة فِي صُورَة أُخْرَى كدعاء الْمَرِيض والمبتلى ، أَو سَببا لإخلاص الدُّعَاء مثل دُعَاء الْغَائِب لِأَخِيهِ أَو دُعَاء الْوَالِد للْوَلَد ، أَو كَانَت فِي سَاعَة تَنْتَشِر فِيهَا الروحانية وتدلى فِيهِ الرَّحْمَة كليلة الْقدر والساعة المرجوة يَوْم الْجُمُعَة ، أَو كَانَت فِي مَكَان تحضره الْمَلَائِكَة كمواضع بِمَكَّة أَو تتنبه النَّفس عِنْد الْحُلُول بهَا لحالة الْحُضُور والخضوع كمآثر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام .
وَيعلم من مقايسة مَا قُلْنَا سر قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم مَا لم يستعجل " .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة ، فتعجل كل نَبِي دَعوته ، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا " . أَقُول : للأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام دعوات كَثِيرَة مستجابة ، وَكَذَا اسْتُجِيبَ لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة ، لَكِن لكل نَبِي دَعْوَة وَاحِدَة منبجسة من الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ مبدأ نبوته ، فَإِنَّهَا إِن آمنُوا كَانَت بَرَكَات عَلَيْهِم ، وانبجس من قلبه فِي قلب النَّبِي أَن يَدْعُو لَهُم ، وَإِن أَعرضُوا صَارَت نقمات عَلَيْهِم ، وانبجس فِي قلبه ان يَدْعُو عَلَيْهِم ، واستشعر نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن أعظم مَقَاصِد بعثته أَن يكون شَفِيعًا للنَّاس ، وَاسِطَة لنزول رَحْمَة خَاصَّة يَوْم الْحَشْر فَاخْتَبَأَ دَعوته الْعُظْمَى المنبجسة من أصل نبوته لذَلِك الْيَوْم .
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخذت عنْدك عهدا " الخ أَقُول : اقْتَضَت رَحمته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بأمته وحدبه عَلَيْهِم أَن يقدم عِنْد الله عهدا ، ويمثل فِي حَظِيرَة الْقُدس همته لَا يزَال يصدر مِنْهَا أَحْكَامهَا ، وَذَلِكَ أَن يعْتَبر فِي
حجة الله البالغة — صفحة 117
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١١٧