وَلما كَانَ الْملك وأعوانه عاملين للمدينة عملا نَافِعًا وَجب أَن يكون رزقهم عَلَيْهَا ، وَلَا بُد أَن يكون بجباية العشور وَالْخَرَاج سنة عادلة لَا تضر بهم ، وَقد كفت الْحَاجة ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يضْرب على كل أحد وَفِي كل مَال ، وَالْأَمر مَا أَجمعت مُلُوك الْأُمَم من مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا أَن تكون الجباية من أهل الدُّثُور والقناطير المقنطرة ، وَمن الْأَمْوَال النامية كماشية متناسلة وزراعة وتجارة ، فَإِن احْتِيجَ إِلَى أَكثر من ذَلِك ، فعلى رُءُوس الكاسبين :
وَلَا بُد للْملك من سياسة جُنُوده ، وَطَرِيق السياسة مَا يَفْعَله الرائض الماهر بفرسه حَيْثُ يتعرف أَصْنَاف الجري من إرفال وهرولة وعدو وَغَيرهَا ، والعادات الذميمة من حرونة وَنَحْوهَا ، والأمور الَّتِي تنبه الْفرس تَنْبِيها بليغا كالنخس والزجر وَالسَّوْط ، ثمَّ يراقبه ، فَكلما فعل مَا لَا يرتضيه ، أَو ترك مَا يرتضيه ينبهه بِمَا ينقاد لَهُ طبعه ، وتنكسر بِهِ سورته ، وليقصد فِي ذَلِك أَلا يتشوش خاطره ، فَلَا يتفطن لماذا ضربه ، ولتكن صُورَة الْأَمر الَّذِي يلقيه إِلَيْهِ متمثله فِي صَدره منعقدة فِي قلبه وَالْخَوْف من المجازاة مُقيما فِي
خاطره ، ثمَّ إِذا حصل فعل الْمَطْلُوب والكف عَن المهروب لَا يَنْبَغِي أَن يتْرك الرياضة حَتَّى يرى أَن الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة صَارَت خلقا لَهُ وديدنا ، وَصَارَ بِحَيْثُ لَوْلَا الزّجر لما ركن إِلَى خلَافهَا ، فَكَذَلِك يجب على رائض الْجنُود أَن يعرف الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة فعلا وكفا والأمور الَّتِي يَقع بهَا تنبيههم ، وَليكن من شَأْنه أَلا يهمل شَيْء من ذَلِك أبدا .
وَلَيْسَ للأعوان حصر فِي عدد لكنه يَدُور على دوران حاجات الْمَدِينَة ، فَرُبمَا تقع الْحَاجة إِلَى اتِّخَاذ عونين فِي حَاجَة ، وَرُبمَا كفا عون لحاجتين ، غير أَن رُءُوس الأعوان خَمْسَة .
القَاضِي ، وَليكن حرا ذكرا بَالغا عَاقِلا كَافِيا عَارِفًا بِسنة الْمُعَامَلَات وبمكايد الْخُصُوم فِي اختصامهم ، وَليكن صلبا حَلِيمًا جَامعا للأمرين ، ولينظر فِي مقامين : أَحدهمَا معرفَة جلية الْحَال ، وَهِي إِمَّا عقد أَو مظْلمَة أَو سَابِقَة بَينهمَا ، وَثَانِيهمَا مَا يُرِيد كل وَاحِد من صَاحبه أَي الإراديتين أصوب وأرجح ولينظر فِي وَجه الْمعرفَة ، فهنالك حجَّة لَا يريب فِيهَا النَّاس تَقْتَضِي الحكم الصراح ، وَحجَّة لَيست بِذَاكَ تَقْتَضِي حكما دون الحكم الأول .
وأمير الْغُزَاة ، وَليكن من شَأْنه معرفَة عدَّة الْحَرْب وتأليف الْأَبْطَال والشجعان وَمَعْرِفَة مبلغ كل رجل فِي النَّفْع وَكَيْفِيَّة تعبية الجيوش وَنصب الجواسيس والخبرة فِي بمكايد الْخُصُوم .
حجة الله البالغة — صفحة 96
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٩٦