التَّمَسُّك بِالْبَيِّنَاتِ وَالْإِيمَان والوثائق وقرائن الْحَال وَنَحْوهَا ، وردهَا إِلَى سنة مسلمة ، وإبداء وَجه التَّرْجِيح ، وَمَعْرِفَة مكايد المتخاصمين وَنَحْو ذَلِك .
وَمِنْه أَن يَبْدُو أهل الْمَدِينَة ويكتفوا بالارتفاق الأول ، أَو يتمدنوا فِي غير هَذِه الْمَدِينَة ، أَو يكون توزعهم فِي الإقبال على الاكساب بِحَيْثُ يضر بِالْمَدِينَةِ مثل أَن يقبل أَكْثَرهم على التِّجَارَة ، وَيَدْعُو الزِّرَاعَة ، أَو يتكسب أَكْثَرهم بالغزو وَنَحْوه ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يكون الزراع بِمَنْزِلَة الطَّعَام والصناع والتجار والحفظة بِمَنْزِلَة الْملح المصلح لَهُ .
وَمِنْه انتشار السبَاع الضارية والهوام المؤذية ، فَيجب السَّعْي فِي إفنائها وَمن بَاب كَمَال الْحِفْظ بِنَاء الْأَبْنِيَة الَّتِي يشتركون فِي الِانْتِفَاع بهَا كالأسوار والربط والحصون والثغور والأسواق والقناطر .
وَمِنْه حفر الْآبَار واستنباط الْعُيُون وتهيئة السفن على سواحل الْأَنْهَار .
وَمِنْه حمل التُّجَّار على الْميرَة بتأنيسهم وتأليفهم وتوصية أهل الْبَلَد أَن يحسنوا الْمُعَامَلَة مَعَ الغرباء ، فَإِن ذَلِك يفتح بَاب كَثْرَة ورودهم ، وَحمل الزراع على أَلا يتْركُوا أَرضًا مُهْملَة ، والصناع أَن يحسنوا الصناعات ، ويتقنوها ، وَأهل الْبَلَد على اكْتِسَاب الْفَضَائِل كالخط والحساب والتاريخ والطب وَالْوُجُوه الصَّحِيحَة من تقدمة الْمعرفَة .
وَمِنْه معرفَة أَخْبَار الْبَلَد ليتميز الداعر من الناصح ، وليعلم الْمُحْتَاج ، فيعان وَصَاحب صَنْعَة مرغوبة ، فيستعان بِهِ .
وغالب سَبَب خراب الْبلدَانِ فِي هَذَا الزَّمَان شَيْئَانِ أَحدهمَا تضييقهم على بَيت المَال بِأَن يعتادوا التكسب بِالْأَخْذِ مِنْهُ على أَنهم من الْغُزَاة ، أَو من الْعلمَاء الَّذين لَهُم حق فِيهِ ، أَو من الَّذين جرت عَادَة الْمُلُوك بصلتهم كالزهاد وَالشعرَاء ، أَو بِوَجْه من وُجُوه التكدي ، وَيكون الْعُمْدَة عِنْدهم هُوَ التكسب دون الْقيام بِالْمَصْلَحَةِ ، فَيدْخل قوم على قوم ، فينغصون عَلَيْهِم ، ويصيرون كلا على الْمَدِينَة .
وَالثَّانِي ضرب الضرائب الثَّقِيلَة على الزراع والتجار والمتحرفة وَالتَّشْدِيد عَلَيْهِم حَتَّى يُفْضِي إِلَى إجحاف المطاوعين واستئصالهم ، وَإِلَى تمنع أولي بَأْس شَدِيد وبغيهم وَإِنَّمَا تصلح الْمَدِينَة بالجباية الْيَسِيرَة وَإِقَامَة الْحفظَة بِقدر الضَّرُورَة ، قليتنبه أهل الزَّمَان لهَذِهِ النُّكْتَة وَالله أعلم .
حجة الله البالغة — صفحة 93
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٩٣