أَقُول : يَنْبَغِي للْمُصَلِّي أَن يدْفع عَن نَفسه كلما يلهيه عَن الصَّلَاة لحسن هَيئته أَو لعجب النَّفس بِهِ تكميلا لما قصد لَهُ الصَّلَاة .
وَكَانَ الْيَهُود يكْرهُونَ الصَّلَاة فِي نعَالهمْ وخفافهم لما فِيهِ من ترك التَّعْظِيم فَإِن النَّاس يخلعون النِّعَال بِحَضْرَة الكبراء ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :
{ فاخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى }
وَكَانَ هُنَا وَجه آخر وَهُوَ أَن الْخُف والنعل تَمام زِيّ الرجل ، فَترك النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقيَاس الأول ، وأيد الثَّانِي مُخَالفَة للْيَهُود ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وخفافهم " فَالصَّحِيح أَن الصَّلَاة متنعلا وحافيا سَوَاء .
وَنهى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن السدل فِي الصَّلَاة ، فَقيل : هُوَ أَن يلتحف بِثَوْبِهِ ، وَيدخل يَدَيْهِ فِيهِ ، وسيجئ أَن اشْتِمَال الصماء أقبح لبسة
لِأَنَّهُ مُخَالفَة لما هُوَ أصل طبيعة الْإِنْسَان وعادته من إبْقَاء الْيَدَيْنِ مستر سلتين ، وَلِأَنَّهُ على شرف انكماش الْعَوْرَة فَإِنَّهُ كثيرا مَا يحْتَاج إِلَى إِخْرَاج الْيَدَيْنِ للبطش ، فتنكشف ، وَقيل : إرْسَال الثَّوْب من غير أَن يضم جانبيه وَهُوَ إخلال بالتجمل وَتَمام الْهَيْئَة ، وَإِنَّمَا نعني بِتمَام الْهَيْئَة مَا يحكم الْعرف وَالْعَادَة أَنه غير فَاقِد مَا يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ وأوضاع لباسهم مُخْتَلفَة وَلَكِن فِي كل لبسة تَمام هَيْئَة يعرف بالسير ، وَقد بنى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمر على عرف الْعَرَب يَوْمئِذٍ .
( الْقبْلَة )
لما قدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة أَو سَبْعَة عشر شهرا ، ثمَّ أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة ، فاستقر الْأَمر على ذَلِك .
أَقُول : السِّرّ فِي ذَلِك أَنه لما كَانَ تَعْظِيم شَعَائِر الله وبيوته وَاجِبا - لَا سِيمَا فِيمَا هُوَ أصل أَرْكَان الْإِسْلَام . وَأم القربات . وَأشهر شَعَائِر الدّين ، وَكَانَ التَّوَجُّه فِي الصَّلَاة إِلَى مَا هُوَ مُخْتَصّ بِاللَّه بِطَلَب رضَا الله بالتقرب مِنْهُ أجمع للخاطر ، وأحث على صفة الْخُشُوع ، وَأقرب لحضور الْقلب ، لِأَنَّهُ يشبه مُوَاجهَة الْملك فِي مناجاته - اقْتَضَت الْحِكْمَة الإلهية أَن يَجْعَل اسْتِقْبَال قبْلَة مَا شرطا فِي الصَّلَاة فِي جَمِيع الشَّرَائِع .
وَكَانَ إِبْرَاهِيم . وإسماعيل عَلَيْهِمَا السَّلَام . وَمن تدين بدينهما يستقبلون الْكَعْبَة . وَكَانَ إِسْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَبَنوهُ يستقبلون بَيت الْمُقَدّس . هَذَا هُوَ الأَصْل الْمُسلم فِي الشَّرَائِع .
حجة الله البالغة — صفحة 329
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٣٢٩