( ثِيَاب الْمُصَلِّي )
اعْلَم أَن لبس الثِّيَاب مِمَّا امتاز بِهِ الْإِنْسَان عَن سَائِر الْبَهَائِم ، وَهُوَ أحسن حالات الْإِنْسَان ، وَفِيه شُعْبَة من معنى الطَّهَارَة ، وَفِيه تَعْظِيم الصَّلَاة وَتَحْقِيق
أدب الْمُنَاجَاة بَين يَدي رب الْعَالمين ، وَهُوَ وَاجِب أُصَلِّي جعل شرطا فِي الصَّلَاة لتكميله مَعْنَاهَا ، وَجعله الشَّارِع على حَدَّيْنِ .
حد لَا بُد مِنْهُ وَهُوَ شَرط صِحَة الصَّلَاة ، وحد هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ فَالْأول مِنْهُ السوأتان وَهُوَ آكدهما ، وَألْحق بهما الفخذان ، وَفِي الْمَرْأَة سَائِر بدنهَا ، لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تقبل صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار " يَعْنِي الْبَالِغَة لِأَن الْفَخْذ مَحل الشَّهْوَة ، وَكَذَا بدن الْمَرْأَة فَكَانَ حكمهَا حكم السوأتين .
وَالثَّانِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يصلين أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء ، وَقَالَ : " إِذا كَانَ وَاسِعًا فَخَالف بَين طَرفَيْهِ " والسر فِيهِ أَن الْعَرَب والعجم وَسَائِر أهل الأمزجة المعتدلة إِنَّمَا تَمام هيئتهم وَكَمَال زيهم على اخْتِلَاف أوضاعهم فِي لِبَاس القباء والقميص والحلة وَغَيرهَا أَن يستر العاتقان وَالظّهْر ، وَسُئِلَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد فَقَالَ أَو لكلهم ثَوْبَان ، ثمَّ سُئِلَ عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ إِذا وسع الله فوسعوا جمع رجل الخ .
أَقُول : الظَّاهِر أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَن الْحَد الأول وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ بَيَان للحد الثَّانِي وَيحْتَمل أَن يكون السُّؤَال فِي الثَّانِي الَّذِي هُوَ مَنْدُوب ، فَلم يَأْمر بثوبين لِأَن جَرَيَان التشريع وَلَو بِالْحَدِّ الثَّانِي بِاشْتِرَاط الثَّوْبَيْنِ حرج ، وَلَعَلَّ من لَا يجد ثَوْبَيْنِ يجد فِي نَفسه ، فَلَا تكمل صلَاته لما يجد فِي نَفسه من التَّقْصِير ، وَعرف عمر رَضِي الله عَنهُ أَن وَقت التشريع انْقَضى ، وَمضى ، وَكَانَ قد عرف اسْتِحْبَاب إِكْمَال الزي فِي الصَّلَاة ، فَحكم على حسب ذَلِك ، وَالله أعلم .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَرَأسه معقوص من وَرَائه : " إِنَّمَا مثل هَذَا مثل الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مكتوف " .
أَقُول : نبه على أَن سَبَب الْكَرَاهِيَة الْإِخْلَال بالتجمل وَتَمام الْهَيْئَة وزي الْأَدَب .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خميصة لَهَا أَعْلَام : إِنَّهَا ألهتني آنِفا عَن صَلَاتي " وَفِي قرام عَائِشَة أميطي عَنَّا قرامك هَذَا فَإِنَّهُ لَا يزَال تصاويره تعرض فِي صَلَاتي ، وَفِي فروج الْحَرِير لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين .
حجة الله البالغة — صفحة 328
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٣٢٨