فَبعث مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادَ بذلك إِقَامَة الْملَّة العوجاء ، ثمَّ لما توفّي النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَت تِلْكَ الْعِنَايَة بِعَينهَا متوجهة إِلَى حفظ علمه ورشده فِيمَا بَينهم ، فأورثت فيهم إلهامات وتقريبات ، فَفِي حَظِيرَة الْقُدس دَاعِيَة لإِقَامَة الْهِدَايَة فيهم مَا لم تقم السَّاعَة ، فَوَجَبَ لذَلِك أَن يكون فيهم لَا محَالة أمة قَائِمَة بِأَمْر الله ، وَأَن لَا يجتمعوا على الضَّلَالَة بأسرهم ، وَأَن يحفظ الْقُرْآن فيهم ، وَأوجب اخْتِلَاف استعدادهم أَن يلْحق بِمَا عِنْدهم مَعَ ذَلِك شَيْء من التَّغَيُّر ، فانتظرت الْعِنَايَة لناس مستعدين قضى لَهُم بالتنويه ، فأورث فِي قُلُوبهم الرَّغْبَة فِي الْعلم ، وَنفى تَحْرِيف الغالين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التشدد والتعمق ، وانتحال المبطلين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الِاسْتِحْسَان وخلط مِلَّة بِملَّة ، وَتَأْويل الْجَاهِلين وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التهاون ، وَترك الْمَأْمُور بِهِ بِتَأْوِيل ضَعِيف
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من يرد الله بِهِ خير يفقهه فِي الدّين " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فضل الْعَالم على العابد كفضلي على أدناكم " وأمثال ذَلِك ، اعْلَم أَن الْعِنَايَة الإلهية إِذا حلت بشخص ، وصيره الله مَظَنَّة لتدبير إلهي لَا بُد أَن يصير مرحوما وَأَن تُؤمر الْمَلَائِكَة بمحبته وتعظيمه لحَدِيث محبَّة جِبْرَائِيل
وَوضع الْقبُول فِي الأَرْض ، وَلما انْتقل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنزلت الْعِنَايَة الْخَاصَّة بِهِ بِحَسب حفظ مِلَّته إِلَى حَملَة الْعلم وَرُوَاته ومشيعيه ، فأنتج فيهم فَوَائِد لَا تحصى
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها كَمَا سَمعهَا " أَقُول : سَبَب هَذَا الْفضل أَنه مَظَنَّة لحمل الْهِدَايَة النَّبَوِيَّة إِلَى الْخلق .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من كذب عَليّ مُتَعَمدا ، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يكون فِي آخر الزَّمَان دجالون كذابون " .
أَقُول لما كَانَ طَرِيق بُلُوغ الدّين إِلَى الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِنَّمَا هِيَ الرِّوَايَة ، وَإِذا دخل الْفساد من وَجهه الرِّوَايَة لم يكن لَهُ علاج الْبَتَّةَ كَانَ الْكَذِب على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبِيرَة ، وَوَجَب الِاحْتِيَاط فِي الرِّوَايَة لِئَلَّا يرْوى كذبا .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم " أَقُول : الرِّوَايَة عَن أهل الْكتاب تجوز فِيمَا سَبيله سَبِيل الِاعْتِبَار ، وَحَيْثُ يكون الآمن عَن الِاخْتِلَاط فِي شرائع الدّين ، وَلَا تجوز فِيمَا سوى ذَلِك ، ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن غَالب الْإسْرَائِيلِيات المدسوسة فِي كتب التَّفْسِير ، وَالْأَخْبَار منقولة عَن أَخْبَار أهل الْكتاب لَا يَنْبَغِي أَن يبْنى عَلَيْهَا حكم واعتقاد فَتدبر .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من تعلم علما مِمَّا يَنْبَغِي بِهِ وَجه الله لَا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يحد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة " يَعْنِي رِيحهَا
حجة الله البالغة — صفحة 290
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٩٠