تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه " الحَدِيث أَقُول : هَذَا الِانْتِقَال تدريجي غير دفعي ، وكل حد يباين السَّابِق واللاحق ، وَيُسمى مَا لم يتَغَيَّر من صُورَة الدَّم تغيرا فَاحِشا - نُطْفَة - وَمَا فِيهِ انجماد ضَعِيف - علقَة وَمَا فِيهِ انجماد أَشد من ذَلِك - مُضْغَة وَإِن كَانَ فِيهِ عظم رخو ، وكما أَن النواة إِذا ألقيت فِي الأَرْض وَذَلِكَ فِي وَقت مَعْلُوم ، وأحاط بهَا تَدْبِير مَعْلُوم علم المطلع على خاصية نوع النّخل وخاصية تِلْكَ الأَرْض وَذَلِكَ المَاء وَذَلِكَ الْوَقْت أَنه يحسن نباتها ويتحقق من شَأْنه على بعض الْأَمر ، فَكَذَلِك يجلي الله على بعض الْمَلَائِكَة حَال الْمَوْلُود بِحَسب الجبلة الَّتِي جبل عَلَيْهَا . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب لَهُ مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة " أَقُول : كل صنف من أَصْنَاف النَّفس لَهُ كَمَال ونقصان ، عَذَاب وثواب ، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى إِمَّا من الْجنَّة وَإِمَّا من النَّار ، وَقَوله تَعَالَى : { وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم } . الْآيَة لَا يُخَالف حَدِيث " ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ واستخرج مِنْهُ ذُريَّته " لِأَن آدم أخذت عَنهُ ذُريَّته وَمن ذُريَّته ذُرِّيتهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة على التَّرْتِيب الَّذِي يوجدون عَلَيْهِ ، فَذكر فِي الْقُرْآن بعض الْقِصَّة وَبَين الحَدِيث تتمتها ، قَوْله تَعَالَى : { فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى } . أَي من كَانَ متصفا بِهَذِهِ الصِّفَات فِي علمنَا وقدرنا ( فسنسيره ) لتِلْك الْأَعْمَال فِي الْخَارِج ، وَبِهَذَا التَّوْجِيه ينطبق عَلَيْهِ الحَدِيث . قَوْله تَعَالَى : { وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها } . أَقُول المُرَاد بالإلهام هُنَا خلق صُورَة الْفُجُور فِي النَّفس كَمَا سبق فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود ، فالإلهام فِي الأَصْل خلق الصُّورَة العلمية الَّتِي يصير بهَا عَالما ، ثمَّ نقل إِلَى صُورَة إجمالية هِيَ مبدأ آثَار ، وَإِن لم يصر بهَا عَالما تجوزا ، وَالله أعلم .