قَوْله تَعَالَى :
{ مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات }
أَقُول الظَّاهِر أَن الْمُحكم مَا لم يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا مثل :
{ حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم }
والمتشابه مَا احْتمل وُجُوهًا ، وَإِنَّمَا المُرَاد بَعْضهَا كَقَوْلِه تَعَالَى :
{ لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا }
حملهَا الزائغون على إِبَاحَة الْخمر مَا لم يكن بغي أَو إِفْسَاد فِي الأَرْض ، وَالصَّحِيح حملهَا على شاربيها قبل التَّحْرِيم .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " أَقُول : النِّيَّة الْقَصْد والعزيمة ، وَالْمرَاد هَهُنَا الْعلَّة الغائبة الَّتِي يتصورها الْإِنْسَان فيبعثه على الْعَمَل مثل طلب ثَوَاب من الله أَو طلب رضَا الله ، وَالْمعْنَى لَيْسَ للأعمال أثر فِي تَهْذِيب النَّفس وَإِصْلَاح عوجها إِلَّا إِذا كَانَت صادرة من تصور مقصد مِمَّا يرجع إِلَى التَّهْذِيب دون الْعَادة وموافقة النَّاس أَو الرِّيَاء والسمعة أَو قَضَاء
جبلة ، كالقتال من الشجاع الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَن الْقِتَال ، فلولا مجاهدة الْكفَّار لصرف هَذَا الْخلق فِي قتال الْمُسلمين ، وَهُوَ مَا سُئِلَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الرجل وَيُقَاتل رِيَاء يُقَاتل شجاعة فأيها فِي سَبِيل الله ؟ فَقَالَ : من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله " وَالْفِقْه فِي ذَلِك أَن عَزِيمَة الْقلب روح الْأَعْمَال أشباح لَهَا .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَلَال بَين ، وَالْحرَام بَين ، وَبَينهمَا مُشْتَبهَات ، فَمن اتَّقى الشُّبُهَات فقد اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه " أَقُول قد تتعارض الْوُجُوه فِي الْمَسْأَلَة ، فَتكون السّنة حِينَئِذٍ الِاسْتِبْرَاء وَالِاحْتِيَاط ، فَمن التَّعَارُض أَن تخْتَلف الرِّوَايَة تَصْرِيحًا كمس الذّكر ، هَل ينْقض الْوضُوء ، أثْبته الْبَعْض ، ونفاه الْآخرُونَ ، وَلكُل وَاحِد حَدِيث يشْهد لَهُ ، كَالنِّكَاحِ للْمحرمِ سوغه طَائِفَة ، ونفاه آخَرُونَ ، وَاخْتلفت الرِّوَايَة .
وَمِنْه أَن يكون اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الْبَاب غير منضبط الْمَعْنى يكون مَعْلُوما بِالْقِسْمَةِ والمثال ، وَلَا يكون مَعْلُوما بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع ، فَيخرج ثَلَاث مواد ، مَادَّة يُطلق عَلَيْهِ اللَّفْظ يَقِينا ، ومادة لَا يُطلق عَلَيْهَا يَقِينا ، ومادة لَا يدْرِي هَل يَصح الْإِطْلَاق عَلَيْهَا أم لَا .
وَمِنْه أَن يكون الحكم مَنُوطًا يَقِينا بعلة هِيَ مَظَنَّة لمقصد يَقِينا ، وَيكون نوع لَا يُوجد فِيهِ الْمَقْصد ، وَيُوجد فِيهِ الْعلَّة كالأمة الْمُشْتَرَاة مِمَّن لَا يُجَامع مثله ، هَل يجب استبراؤها ؟ فَهَذِهِ وأمثالها يتَأَكَّد الِاحْتِيَاط فِيهَا .
حجة الله البالغة — صفحة 293
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٩٣