قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بِيَدِهِ الْمِيزَان أَن يخْفض وَيرْفَع " أَقُول : هَذَا إِشَارَة إِلَى التَّدْبِير ، فَإِن مبناه على اخْتِيَار الأوفق بِالْمَصْلَحَةِ ، فَمَا من حَادِثَة يجْتَمع فِيهَا أَسبَاب متنازعة إِلَّا وَيَقْضِي الله فِي ذَلِك مَا هُوَ عدل ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن } .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن قُلُوب بني آدم كلهَا بَين إصبعين من
من أَصَابِع الرَّحْمَن " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مثل الْقلب كريشة بِأَرْض فلاة تقلبها الرِّيَاح ظهرا لبطن " أَقُول : أَفعَال الْعباد اختيارية ، لَكِن لَا اخْتِيَار لَهُم فِي ذَلِك الِاخْتِيَار ، وَإِنَّمَا مثله كَمثل رجل أَرَادَ أَن يَرْمِي حجرا ، فَلَو أَنه كَانَ قَادِرًا حكيما خلق فِي الْحجر اخْتِيَار الْحَرَكَة أَيْضا ، وَلَا يرد عَلَيْهِ أَن الْأَفْعَال إِذا كَانَت مخلوقة لله تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِيَار فَفِيمَ الْجَزَاء ، لِأَن معنى الْجَزَاء يرجع إِلَى ترَتّب بعض أَفعَال الله تَعَالَى على الْبَعْض ، بِمَعْنى أَن الله تَعَالَى خلق هَذِه الْحَالة فِي العَبْد فَاقْتضى ذَلِك فِي حكمته أَن يخلق فِيهِ حَالَة أُخْرَى من النِّعْمَة أَو الْأَلَم كَمَا أَنه يخلق فِي المَاء حرارة ، فَيَقْتَضِي ذَلِك أَن يكسوه صُورَة الْهَوَاء ، وَإِنَّمَا يشْتَرط وجود الِاخْتِيَار وَكسب العَبْد فِي الْجَزَاء بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ ، وَذَلِكَ لِأَن النَّفس الناطقة لَا تقبل لون الْأَعْمَال الَّتِي لَا تستند إِلَيْهَا ، بل إِلَى غَيرهَا من جِهَة الْكسْب ، وَلَا الْأَعْمَال الَّتِي لَا تستند إِلَى اخْتِيَارهَا وقصدها ، وَلَيْسَ فِي حِكْمَة الله أَن يجازى العَبْد بِمَا لم تقبل نَفسه الناطقة لَونه ، فَإِذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك كفى هَذَا الِاخْتِيَار غير المستقل فِي الشّرطِيَّة إِذا كَانَ مصححا لقبُول لون الْعَمَل ، وَهَذَا الْكسْب غير المستقل إِذا كَانَ مصححا لتخصيص هَذَا العَبْد بِخلق الْحَالة الْمُتَأَخِّرَة فِيهِ دون غَيره ، وَهَذَا تَحْقِيق شرِيف مَفْهُوم من كَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فاحفظه .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة فَألْقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل " فَلذَلِك أَقُول : جف الْقَلَم على علم الله ، مَعْنَاهُ أَنه قدرهم قبل أَن يخلقوا ، فَكَانُوا هُنَالك عُرَاة عَن الْكَمَال فِي حد أنفسهم ، فاستوجبوا أَن يبْعَث إِلَيْهِم ، وَينزل عَلَيْهِم ، فاهتدى بعض مِنْهُم ، وضل آخَرُونَ وَقدر جَمِيع ذَلِك مرّة وَاحِدَة ، لَكِن كَانَ لما من أنفسهم تقدم على مَا لَهُم يبْعَث الرُّسُل ، كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَة عَن الله تَعَالَى : " كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته ، وكلكم ضال إِلَّا من هديته " أَو نقُول : هَذَا إِشَارَة إِلَى وَاقعَة مثل وَاقعَة إِخْرَاج ذُرِّيَّة آدم عَلَيْهِ السَّلَام .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذا قضى الله لعبد أَن يَمُوت بِأَرْض جعل لَهُ إِلَيْهَا حَاجَة " أَقُول : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن بعض الْحَوَادِث تُوجد لِئَلَّا ينخرم نظام الْأَسْبَاب ، فَإِن لم يكن اسْتهلّ من إلهام أَو بعث تقريب لَا بُد أَن يظْهر ذَلِك
حجة الله البالغة — صفحة 285
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٨٥