تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
اعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق الشَّيَاطِين وجبلهم على الاغواء بِمَنْزِلَة الدُّود الَّتِي تفعل أفعالا بِمُقْتَضى مزاجها - كالجعل يَده هده الحرأة - وَأَن لَهُم رَئِيسا يضع عَرْشه على المَاء ، ويدعوهم لتكميل مَا هم قبله قد اسْتوْجبَ أتم الشقاوة وأوفر الضلال ، وَهَذِه سنة الله فِي كل نوع وَفِي كل صنف وَلَيْسَ فِي هَذَا مجَاز ، وَقد تحققت من ذَلِك مَا يكون بِمَنْزِلَة الرُّؤْيَة بِالْعينِ . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَمد لله الَّذِي رد أمره إِلَى الوسوسة " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الشَّيْطَان قد أيس من أَن يعبده الْمُسلمُونَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلَكِن فِي التحريش بَينهم " . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاك صَرِيح الْإِيمَان " . اعْلَم أَن تَأْثِير وَسْوَسَة الشَّيَاطِين يكون مُخْتَلفا بِحَسب استعداد الموسوس إِلَيْهِ ، فأعظم تَأْثِيره الْكفْر وَالْخُرُوج من الْملَّة ، فَإِذا عصم الله من ذَلِك بِقُوَّة الْيَقِين انْقَلب تَأْثِيره فِي صُورَة أُخْرَى ، وَهِي المقاتلات وَفَسَاد تَدْبِير الْمنزل والتحريش بَين أهل الْبَيْت وَأهل الْمَدِينَة ، ثمَّ إِذا عصم الله من ذَلِك أَيْضا صَار خاطرا يَجِيء ، وَيذْهب ، وَلَا يبْعَث النَّفس إِلَى عمل لضعف أَثَره - وَهَذَا لَا يضر ، بل إِذا اقْترن باعتقاد قبح ذَلِك كَانَ دَلِيلا على صَرَاحَة الْإِيمَان ، نعم أَصْحَاب النُّفُوس القدسية لَا يَجدونَ شَيْئا من ذَلِك ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير " وَإِنَّمَا مثل هَذِه التأثيرات مثل شُعَاع الشَّمْس يُؤثر فِي الْحَدِيد والأجسام الصقيلة مَا لَا يُؤثر فِي غَيرهَا ، ثمَّ وَثمّ . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن للشَّيْطَان لمة وللملك لمة " الحَدِيث الْحَاصِل أَن صُورَة تَأْثِير الْمَلَائِكَة فِي نشأة الخواطر الْأنس وَالرَّغْبَة فِي الْخَيْر وتأثير الشَّيَاطِين فِيهَا الوحشة وقلق الخاطر وَالرَّغْبَة فِي الشَّرّ .