{ لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير } .
غير أنهم لم يبعدوا عَن المحجة كل الْبعد بِحَيْثُ لَا تثبت عَلَيْهِم الْحجَّة ، وَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الْإِلْزَام ، وَلَا يتَحَقَّق فيهم الإقحام .
فَمن تِلْكَ الْأُصُول القَوْل بِأَن لَا شريك لله فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجَوَاهِر ، وَلَا شريك لَهُ فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام ، وَأَنه لَا راد لحكمه وَلَا مَا نع لقضائه إِذا أبرم وَجزم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :
{ وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليقون الله } .
وَقَوله :
{ بل إِيَّاه تدعون } .
وَقَوله تَعَالَى :
{ ضل مَا تدعون إِلَّا إِيَّاه } .
وَلَكِن كَانَ من زندقتهم قَوْلهم : أَن هُنَاكَ أشخاص من الْمَلَائِكَة والأرواح تدبر أهل الأَرْض فِيمَا دون الْأُمُور الْعِظَام من إصْلَاح حَال العابد فِيمَا يرجع إِلَى خُصُوصِيَّة نَفسه وَأَوْلَاده وأمواله ، وشبهوهم بِحَال الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملك الْمُلُوك وبالحال الشفعاء والندماء بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّلْطَان الْمُتَصَرف بالجبروت ، ومنشأ ذَلِك مَا نطقت بِهِ الشَّرَائِع من تَفْوِيض الْأُمُور إِلَى الْمَلَائِكَة واستجابة دُعَاء المقربين من النَّاس ، فظنوا ذَلِك تَصرفا مِنْهُم كتصرف الْمُلُوك قِيَاسا للْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ الْفساد .
وَمِنْهَا تنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ ، لَكِن كَانَ من زندقتهم زعمهم أَن الله اتخذ الْمَلَائِكَة بَنَات ، وَأَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا جعلُوا وَاسِطَة ، ليكتسب الْحق مِنْهُم عَالما لَيْسَ عِنْده قِيَاسا على الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجواسيس .
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى قدر جَمِيع الْحَوَادِث قبل أَن يخلقها ، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ : لم يزل أهل الْجَاهِلِيَّة يذكرُونَ الْقدر وخطبهم وأشهارهم ، وَلم يزده الشَّرْع إِلَّا تَأْكِيدًا .
وَمِنْهَا أَن هُنَاكَ موطنا يتَحَقَّق فِيهِ الْقَضَاء بالحوادث شَيْئا فَشَيْئًا ، وَأَن هُنَالك لأدعية الْمَلَائِكَة المقربين وأفاضل الْآدَمِيّين تَأْثِيرا بِوَجْه من الْوُجُوه ، لَكِن صَار ذَلِك فِي أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الْمُلُوك .
وَمِنْهَا أَنه كلف الْعباد بِمَا شَاءَ ، فأحل وَحرم ، وَأَنه مجَاز على الْأَعْمَال إِن خيرا فَخير ،
حجة الله البالغة — صفحة 219
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢١٩