فَاعْلَم أَنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بالملة الحنيفية الإسماعيلية لإِقَامَة عوجها وَإِزَالَة تحريفها وإشاعة نورها ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :
{ مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم } .
وَلما كَانَ الْأَمر على ذَلِك وَجب أَن تكون أصُول تِلْكَ الْملَّة مسلمة ، وسنتها مقررة إِذْ النَّبِي إِذا بعث إِلَى قوم فيهم بَقِيَّة سنة راشدة ، فَلَا معنى لتغييرها وتبديلها ، بل الْوَاجِب تقريرها ، لِأَنَّهُ أطوع لنفوسهم وَأثبت عِنْد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم ، وَكَانَ بَنو إِسْمَاعِيل توارثوا منهاج أَبِيهِم إِسْمَاعِيل ، فَكَانُوا على تِلْكَ الشَّرِيعَة إِلَى أَن وجد عَمْرو بن لحي ، فَأدْخل فِيهَا أَشْيَاء بِرَأْيهِ الكاسد ، فضل ، وأضل ، وَشرع عبَادَة الْأَوْثَان ، وسيب السوائب ، وبحر البحائر ، فهنالك بَطل الدّين ، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالفاسد ، وَغلب عَلَيْهِم الْجَهْل والشرك وَالْكفْر ، فَبعث الله سيدنَا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم فَنظر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شريعتهم ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لمنهاج إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَو من شَعَائِر الله أبقاه ، وَمَا كَانَ مِنْهَا تحريفا أَو افسادا أَو من شَعَائِر الشّرك وَالْكفْر أبْطلهُ وسجل على إِبْطَاله ، وَمَا كَانَ من بَاب الْعَادَات وَغَيرهَا فَبين آدابها ومكروهاتها مِمَّا يحْتَرز بِهِ عَن غوائل الرسوم ، وَنهى عَن الرسوم الْفَاسِدَة ، وَأمر بالصالحة ، وَمَا كَانَ من مَسْأَلَة أَصْلِيَّة أَو عملية تركت فِي الفترة أَعَادَهَا غضة طرية كَمَا كَانَت ، فتمت بذلك نعْمَة الله ، واستقام دينه ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِي زمَان النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلمُونَ جَوَاز بعثة الْأَنْبِيَاء ، وَيَقُولُونَ بالمجازاة ، ويعتقدون أصُول أَنْوَاع الْبر ، ويتعاملون بالارتفاقات الثَّانِي وَالثَّالِث .
وَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وجود فرْقَتَيْن فيهم وَظُهُورهمَا وشيوعهما :
إِحْدَاهمَا الْفُسَّاق ، والزنادقة ، فالفساق يعْملُونَ الْأَعْمَال البهيمية أَو السبعية بِخِلَاف الْملَّة لغَلَبَة نُفُوسهم وَقلة تدينهم ، فَأُولَئِك إِنَّمَا يخرجُون عَن حكم الْملَّة شَاهِدين على أنفسهم بِالْفِسْقِ ، والزنادقة يجبلون على الْفَهم الأبتر لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّحْقِيق التَّام الَّذِي قَصده صَاحب الْملَّة ، وَلَا يقلدونه ، وَلَا يسلمونه بِمَا أخبر ، فهم على ريبهم يَتَرَدَّدُونَ على خوف من ملتهم ، وَالنَّاس يُنكرُونَ عَلَيْهِم ، ويونهم خَارِجين عَن الدّين خالعين ربقة الْملَّة عَن أَعْنَاقهم ، وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا من الْإِنْكَار وقبح الْحَال فخروجهم لَا يضر .
وَالثَّانيَِة الجاهلون الغافلون الَّذين لم يرفعوا رُءُوسهم إِلَى الدّين رَأْسا ، وَلم يلتفتوا لفتة أصلا ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَكثر شَيْء فِي قُرَيْش وَمَا والاها لبعد عَهدهم عَن الْأَنْبِيَاء ، وَهُوَ قَوْله تبَارك وَتَعَالَى :
حجة الله البالغة — صفحة 218
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢١٨