وَتَحْقِيق الْوَجْهَيْنِ أَن الْأَنْبِيَاء قبل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يبعثون لي أقوامهم خَاصَّة ، وَهُوَ محصورون يَتَأَتَّى الْجِهَاد مَعَهم فِي سنة أَو سنتَيْن وَنَحْو ذَلِك ، وَكَانَ أممهم أقوياء يقدرُونَ على الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة ، فَلم يكن لَهُم حَاجَة إِلَى الْغَنَائِم ، فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَلا يخلط بعملهم غَرَض دُنْيَوِيّ ، ليَكُون أتم لأجورهم ، وَبعث نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَافَّة النَّاس ، وهم غير مَحْصُورين ، وَلَا كَانَ زمَان الْجِهَاد مَعَهم محصورا ، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة ، فَكَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى إِبَاحَة الْغَنَائِم ، وَكَانَت أمته لعُمُوم دَعوته تشْتَمل نَاسا ضعفاء فِي النِّيَّة ، وَفِيهِمْ ورد " - أَن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر " لَا يُجَاهد أُولَئِكَ إِلَّا لغَرَض عَاجل وَكَانَت الرَّحْمَة شملتهم فِي أَمر الْجِهَاد شمولا عَظِيما ، وَكَانَ الْغَضَب مُتَوَجها إِلَى أعدائهم توجها عَظِيما ، وَهُوَ
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الله نظر إِلَى أهل الأَرْض ، فمقت عربهم وعجمهم " فَأوجب ذَلِك زَوَال عصمَة أَمْوَالهم وَدِمَائِهِمْ على الْوَجْه الأتم ، وَأوجب إغاظة قُلُوبهم بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالهم ، كَمَا أهْدى إِلَى الْحرم رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعير أبي جهل فِي أَنفه برة فضَّة يغِيظ الْكفَّار ، وكما أَمر بِقطع النخيل وإحراقها إغاظة لأَهْلهَا ، فَلذَلِك نزل الْقُرْآن بِإِبَاحَة الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة .
مِثَال آخر لم يحرم لهَذِهِ الْأمة قتال الْكفَّار فِي أول الْأَمر ، وَلم يكن حِينَئِذٍ هُنَاكَ جند وَلَا خلَافَة ، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وثاب الْمُسلمُونَ ، وَظَهَرت الْخلَافَة ، وتمكنوا من مجاهدة أَعدَاء الله أنزل الله تَعَالَى :
{ أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير } .
وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى :
{ مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا } .
فَقَوله : ( بِخَير مِنْهَا ) فِيمَا تكون النُّبُوَّة مَضْمُومَة بالخلافة وَقَوله : ( أَو مثلهَا ) فِيمَا يخْتَلف الحكم باخْتلَاف المظان ، وَالله أعلم .
( بَاب بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ حَال أهل الْجَاهِلِيَّة فاصلحه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
إِن كنت تُرِيدُ النّظر فِي مَعَاني شَرِيعَة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فتحقق أَولا حَال الْأُمِّيين الَّذين بعث فيهم الَّتِي هِيَ مَادَّة تشريعه ، وَثَانِيا
كَيْفيَّة إِصْلَاحه لَهَا بالمقاصد الْمَذْكُورَة فِي بَاب التشريع والتيسير وَأَحْكَام الْملَّة ،
حجة الله البالغة — صفحة 217
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢١٧