وَمِنْهَا أَن يَجْعَل هَذَا الدّين غَالِبا على الْأَدْيَان كلهَا ، وَلَا يتْرك أحدا إِلَّا قد غليه الدّين بعز عَزِيز أَو ذل ذليل ، فينقلب النَّاس ثَلَاث فرق : منقاد للدّين ظَاهرا وَبَاطنا ، ومنقاد بِظَاهِرِهِ على رغم أَنفه لَا يَسْتَطِيع التَّحَوُّل عَنهُ ، وَكَافِر مهان يسخره فِي الْحَصاد والدياس وَسَائِر الصناعات كَمَا تسخر الْبَهَائِم فِي الْحَرْث وَحمل الأثقال ، وَيلْزم عَلَيْهِ سنة زاجرة ، وَيُؤْتى الْجِزْيَة عَن يَد وَهُوَ صاغر .
وَغَلَبَة الدّين على الْأَدْيَان لَهَا أَسبَاب :
مِنْهَا إعلان شعائره على شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان ، وشعائر الدّين أَمر ظَاهر يخْتَص بِهِ يمتاز صَاحبه بِهِ من سَائِر الْأَدْيَان كالختان وتعظيم الْمَسَاجِد وَالْأَذَان وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات .
وَمِنْهَا أَن يقبض على أَيدي النَّاس أَلا يظهروا شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان .
وَمِنْهَا أَلا يَجْعَل الْمُسلمين أكفاء للْكَافِرِينَ فِي الْقصاص والديات وَلَا فِي المناكحات وَلَا فِي الْقيام بالرياسات ليلجئهم ذَلِك إِلَى الْإِيمَان الجاء .
وَمِنْهَا أَن يُكَلف النَّاس بأشباح الْبر والاثم ، ويلزمهم ذَلِك إلزاما عَظِيما ،
وَلَا يلوح لَهُم بأرواحها كثير تلويح ، وَلَا يخيرهم فِي شَيْء من الشَّرَائِع ، وَيجْعَل علم أسرار الشَّرَائِع الَّذِي هُوَ مَأْخَذ الْأَحْكَام التفصيلية علما مكنونا لَا يَنَالهُ إِلَّا من ارتسخت قدمه فِي الْعلم ، وَذَلِكَ لَان أَكثر الْمُكَلّفين لَا يعْرفُونَ الْمصَالح وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعْرفَتهَا إِلَّا إِذا ضبطت بالضوابط ، وَصَارَت محسوسة يتعاطاها كل متعاط ، فَلَو رخص لَهُم فِي ترك شَيْء مِنْهَا ، وَبَين أَن الْمَقْصُود الأصلي غير تِلْكَ الأشباح لتوسع لَهُم مَذَاهِب الْخَوْض ، وَلَا اخْتلفُوا اخْتِلَافا فَاحِشا وَلم يحصل مَا أَرَادَ الله فيهم ، وَالله اعْلَم .
وَمِنْهَا أَنه لما كَانَت الْغَلَبَة بِالسَّيْفِ فَقَط لَا تدفع رين قُلُوبهم ، فَعَسَى أَن يرجِعوا إِلَى الْكفْر عَن قَلِيل - وَجب أَن يثبت بِأُمُور برهانية أَو خطابية نافعة فِي أذهان الْجُمْهُور أَن تِلْكَ الأديان لَا يَنْبَغِي أَن تتبع ، لِأَنَّهَا غير مأثورة عَن الْمَعْصُوم ، أَو أَنَّهَا غير منطبقة على قوانين الْملَّة ، أَو أَن فِيهَا تحريفا ووضعا للشَّيْء فِي غير مَوْضِعه ، ويصحح ذَلِك على رُءُوس الاشهاد ، وَيبين مرجحات الدّين القويم من أَنه سهل سمح ، وَأَن حُدُوده وَاضِحَة يعرف الْعقل حسنها ، وَأَن لَيْلهَا نَهَارهَا ، وَأَن سننها أَنْفَع لِلْجُمْهُورِ وأشبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من سيرة الأنبياء السَّابِقين عَلَيْهِم السَّلَام وأمثال ذَلِك ، وَالله أعلم .
حجة الله البالغة — صفحة 209
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٠٩