وأئمتها ، ثمَّ أحكم بنيانها ، وشدد أَرْكَانهَا حَتَّى صَار أَهلهَا ينصرونها ، ويتناضلون دونهَا ، ويبذلون الْأَمْوَال والمهج لأَجلهَا ، وَمَا ذَلِك إِلَّا لتدبيرات محكمَة ومصالح متقنة لَا تبلغها نفوس الْعَامَّة .
وَلما انفرز كل قوم بِملَّة ، وانتحلوا سننا وطرائق ، ونافحوا دونهَا بألسنتهم ، وقاتلوا عَلَيْهَا بأسنتهم ، وَوَقع فيهم الْجور ، إِمَّا لقِيَام من لَا يسْتَحق إِقَامَة الْملَّة بهَا ، أَو لاختلاط الشَّرَائِع الابتداعية ، ودسها فِيهَا ، أَو لتهاون حَملَة الْملَّة ، فأهملوا كثيرا مِمَّا يَنْبَغِي ، فَلم تبْق إِلَّا دمنة لم تَتَكَلَّم من أم أوفى ، وَلَا مت كل مِلَّة أُخْتهَا ، وَأنْكرت عَلَيْهَا ، وقاتلها ، واختفى الْحق - مست الْحَاجة إِلَى إِمَام رَاشد يُعَامل مَعَ الْملَل مُعَاملَة الْخَلِيفَة الراشد مَعَ الْمُلُوك الجائرة .
وَلَك عِبْرَة فِيمَا ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الْهِنْدِيَّة إِلَى الفارسية من اخْتِلَاط الْملَل ، وَأَنه أَرَادَ أَن يتَحَقَّق الصَّوَاب فَلم يقدر إِلَّا على شَيْء يسير ، وَفِيمَا ذكره أهل التَّارِيخ من حَال الْجَاهِلِيَّة واضطراب أديانهم .
وَهَذَا الإِمَام الَّذِي يجمع الْأُمَم على مِلَّة وَاحِدَة يحْتَاج إِلَى أصُول أُخْرَى غير الْأُصُول الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق .
مِنْهَا أَن يَدْعُو قوما إِلَى السّنة الراشدة ، ويزكيهم ، وَيصْلح شَأْنهمْ ، ثمَّ يتخذهم بِمَنْزِلَة جوارحه ، فيجاهد أهل الأَرْض ، ويفرقهم فِي الْآفَاق ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { كُنْتُم خير أمة أخرجت لناس } .
وَذَلِكَ لِأَن هَذَا الإِمَام نَفسه لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ مجاهدة أُمَم غير محصورة ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن تكون مَادَّة شَرِيعَته مَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْمَذْهَب الطبيعي لأهل الأقاليم الصَّالِحَة عربهم وعجمهم ، ثمَّ مَا عِنْد قومه من الْعلم والارتفاقات ، ويراعى فيهم حَالهم أَكثر من غَيرهم ، ثمَّ يحمل النَّاس جَمِيعًا على اتِّبَاع تِلْكَ الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُفَوض الْأَمر إِلَى كل قوم أَو إِلَى أَئِمَّة كل عصر ، إِذْ لَا يحصل مِنْهُ فَائِدَة التشريع أصلا ، وَلَا إِلَى أَن ينظر مَا عِنْد كل قوم ، ويمارس كلا مِنْهُم ، فَيجْعَل لكل شَرِيعَة ؛ إِذْ الْإِحَاطَة بعاداتهم وَمَا عِنْدهم على اخْتِلَاف بلدانهم وتباين أديانهم كالممتنع ، وَقد عجز جُمْهُور الروَاة عَن رِوَايَة شَرِيعَة وَاحِدَة ، فَمَا ظَنك بشرائع مُخْتَلفَة ، وَالْأَكْثَر أَنه لَا يكون انقياد الآخرين إِلَّا بعد عدد ومدد لَا يطول عمر النَّبِي إِلَيْهَا ، كَمَا وَقع فِي الشَّرَائِع الْمَوْجُودَة الْآن فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين مَا آمن من أوائلهم إِلَّا جمع ، ثمَّ أَصْبحُوا ظَاهِرين بعد ذَلِك فَلَا أحسن وَلَا أيسر
حجة الله البالغة — صفحة 207
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٠٧