بِالْكُلِّيَّةِ فيتصدقون بنية ممتزجة من دقة الطَّبْع ورجاء الثَّوَاب وَيصلونَ لجَرَيَان سنة قَومهمْ على ذَلِك ولرجاء الثَّوَاب ،
ويمتنعون من الزِّنَا وَشرب الْخمر خوفًا من الله وخوفا من النَّاس أَو لَا يَسْتَطِيعُونَ اتِّبَاع العشيقات وَلَا بذل الْأَمْوَال فِي الملاهي ، فَيقبل مِنْهُم ذَلِك بِشَرْط أَن تضعف قُلُوبهم عَن الْإِخْلَاص الصّرْف ، وَأَن تتمسك نُفُوسهم بِالْأَعْمَالِ أَنْفسهَا لَا بِمَا هِيَ شُرُوح للملكات . وَكَانَ فِي الْحِكْمَة الأولى - إِن من الْحيَاء خيرا وَمِنْه ضعفا - فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحيَاء خير كُله " يُنَبه على مَا ذكرنَا ، وَكثير مِنْهُم يَبْرق عَلَيْهِم بارقة ملكية فِي أَوْقَات يسيرَة ، فَلَا يكون ملكة لَهُم ، وَلَا يكونُونَ أجنبيين عَنْهَا كالمستغفرين اللوامين أنفسهم ، وكالذي يذكر الله خَالِيا وفاضت عَيناهُ ، وكالذي لَا تمسك نَفسه الشَّرّ لضعف فِي جبلته إِنَّمَا قلبه كقلب الطير أَو لتحلل طَارِئ على مزاجه كالمبطون وَأهل المصائب كفرت بلاياهم خطاياهم .
وَبِالْجُمْلَةِ فأصحاب الْيَمين فقدوا إِحْدَى خصلتي السَّابِقين ، وحصلوا الْأُخْرَى ، وبعدهم جمَاعَة تسمى بأصحاب الْأَعْرَاف وهم جِنْسَانِ :
قوم صحت أمزجتهم ، وزكت فطرتهم ، وَلم تبلغهم الدعْوَة الإسلامية أصلا أَو بلغتهم ، وَلَكِن بِنَحْوِ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة ، وَلَا تَزُول بِهِ الشُّبْهَة فنشأوا غير منهمكين فِي الملكات الخسيسة والأعمال المردية وَلَا ملتفتين إِلَى جناب الْحق لَا نفيا ، وَلَا إِثْبَاتًا ، كَانَ أَكثر أَمرهم الِاشْتِغَال بالارتفاقات العاجلة ، فَأُولَئِك إِذا مَاتُوا رجعُوا إِلَى حَالَة عمياء لَا إِلَى عَذَاب ، وَلَا إِلَى ثَوَاب حَتَّى تَنْفَسِخ بهيمتهم ، فيبرق عَلَيْهِم شَيْء من بوارق الملكية .
وَقوم نقصت عُقُولهمْ كأكثر الصّبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء ، وَكثير يزعمهم النَّاس أَنهم لَا بَأْس بهم ، وَإِذا نقح حَالهم عَن الرسوم بقوا لَا عقل لَهُم ، فَأُولَئِك يَكْتَفِي من إِيمَانهم بِمثل مَا اكْتفى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الْجَارِيَة السَّوْدَاء سَأَلَهَا " أَيْن الله " فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء ، إِنَّمَا يُرَاد مِنْهُم أَن يتشبهوا بِالْمُسْلِمين لِئَلَّا تتفرق الْكَلِمَة .
أما الَّذين نشأوا منهمكين فِي الرذائل والتفتوا إِلَى جناب الْحق على غير الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون ، فهم أهل الْجَاهِلِيَّة يُعَذبُونَ بأصناف الْعَذَاب . . . ، وبعدهم جمَاعَة تسمى بالمنافقين نفاق الْعَمَل ، وهم أَجنَاس لم تبلغ بهم السَّعَادَة إِلَى وجود الْكَمَال الْمَأْمُور بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ ، إِمَّا غلب عَلَيْهِم حجاب الطبيعة ، ففنوا فِي ملكة رذيلة مثل شَره الطَّعَام وَالنِّسَاء والحقد مَا وضعت عَنْهُم
حجة الله البالغة — صفحة 205
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٠٥