تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
النَّفس بَعْضًا ، وعَلى حسبها يَقع تشبح الْمعَانِي فِي الْمَنَام كَمَا يظْهر منع الْمُؤَذّن النَّاس عَن الْجِمَاع وَالْأكل بِصُورَة الْخَتْم على الْفروج والأفواه ، ثمَّ إِن فِي عَالم الْمِثَال مناسبات تبنى عَلَيْهَا الْأَحْكَام ، فَمَا ظهر جِبْرِيل فِي صُورَة دحْيَة دون غَيره إِلَّا لِمَعْنى ، وَلَا ظَهرت النَّار على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا لِمَعْنى ، فالعارف بِتِلْكَ المناسبات يعلم أَن جَزَاء هَذَا الْعَمَل فِي أَي صُورَة يكون ، كَمَا أَن الْعَارِف بِتَأْوِيل الرُّؤْيَا يعرف أَنه أَي معنى ظهر فِي صُورَة مَا رَآهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمن هَذَا الطَّرِيق يعلم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن الَّذِي يكتم الْعلم ، ويكف نَفسه عَن التَّعْلِيم عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ يعذب بلجام من نَار ، لِأَنَّهُ تألمت النَّفس بالكف ، واللجام شبح الْكَفّ وَصورته ، وَالَّذِي يحب المَال ، وَلَا يزَال يتَعَلَّق بِهِ خاطره يطوق بِشُجَاعٍ أَقرع ، وَالَّذِي يتعانى فِي حفظ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير والأنعام ، ويحوط بهَا عَن الْبَذْل لله يعذب بِنَفس تِلْكَ الْأَشْيَاء على مَا تقرر عِنْدهم من وَجه التأذي ، وَالَّذِي يعذب نَفسه بحديدة أَو سم ، وَيُخَالف أَمر الله بذلك يعذب بِتِلْكَ الصُّورَة ، وَالَّذِي يكسو الْفَقِير يكسى يَوْم الْقِيَامَة من سندس الْجنَّة ، وَالَّذِي يعْتق مُسلما ويفك رقبته عَن آفَة الرّقّ الْمُحِيط بِهِ يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عُضْو مِنْهُ من النَّار . وَمِنْهَا تَشْبِيه ذَلِك الْعَمَل بِمَا تقرر فِي الأذهان حسنه أَو قبحه ، أما من جِهَة الشَّرْع أَو الْعَادة وَفِي ذَلِك لَا بُد من أَمر جَامع بَين الشَّيْئَيْنِ مُشْتَرك بَينهمَا وَلَو بِوَجْه من الْوُجُوه ، كَمَا شبه المرابط فِي الْمَسْجِد بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس بِصَاحِب حجَّة وَعمرَة ، وَشبه الْعَائِد فِي هِبته بالكلب الْعَائِد فِي قيئه ، ونسبته إِلَى المحبوبين أَو المبغوضين ، وَالدُّعَاء لفَاعِله أَو عَلَيْهِ ، وكل ذَلِك يُنَبه على حَال الْعَمَل إِجْمَالا من غير تعرض لوجه الْحسن أَو الْقبْح كَقَوْل الشَّارِع : تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق ، وَلَيْسَ منا من فعل كَذَا ، وَهَذَا الْعَمَل عمل الشَّيَاطِين أَو عمل الْمَلَائِكَة ، ورحم الله أمرءاً فعل كَذَا وَكَذَا " وَنَحْو هَذِه الْعبارَات . وَمِنْهَا حَال الْعَمَل فِي كَونه مُتَعَلقا لرضا الله أَو سخطه وسببا لانعطاف دَعْوَة الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ أَو عَلَيْهِ كَقَوْل الشَّارِع - إِن الله يحب كَذَا وَكَذَا ، وَيبغض كَذَا وَكَذَا - وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف " وَقد ذكرنَا سره ، وَالله أعلم .