تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الْمَشْهُورَة عِنْدهم ، فَمَا كَانَ صَحِيحا مُوَافقا لقواعد السياسة الملية لَا تغيره ، بل تَدْعُو إِلَيْهِ ، وتحث عَلَيْهِ ، وَمَا كَانَ سقيما قد دخله التحريف ، فَإِنَّهَا تغيره ، بِقدر الْحَاجة ، وَمَا كَانَ حريا أَن يزْدَاد ، فَإِنَّهَا تزيده على مَا كَانَ عِنْدهم ، وَكَثِيرًا مَا يسْتَدلّ هَذَا النَّبِي فِي مطالبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من الشَّرِيعَة الأولى ، فَيُقَال عِنْد ذَلِك هَذَا النَّبِي فِي مِلَّة فلَان النَّبِي أَو من شيعته ، وَكَثِيرًا مَا تخْتَلف النبوات لاخْتِلَاف الْملَل النَّازِلَة تِلْكَ النُّبُوَّة فِيهَا . وَالنَّوْع الثَّانِي بِمَنْزِلَة طَارِئ عَارض ، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ متعاليا عَن الزَّمَان ، فَلهُ ارتباط بِوَجْه من الْوُجُوه بِالزَّمَانِ والزمانيات ، وَقد أخبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن الله يقْضِي بعد كل مائَة بحادثة عَظِيمَة من الْحَوَادِث ، وَأخْبر آدم وَغَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي حَدِيث الشَّفَاعَة بِشَيْء من هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم : " إِن رَبِّي تبَارك وَتَعَالَى قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغضبه قبله مثله ، وَلنْ يغْضب بعده مثله " فَإِذا تهَيَّأ الْعَالم لإفاضة الشَّرَائِع وَتَعْيِين الْحُدُود ، وتجلى الْحق منزلا عَلَيْهِم الدّين ، وامتلأ الْمَلأ الْأَعْلَى بهمة قَوِيَّة حسب ذَلِك يكون حِينَئِذٍ أدنى سَبَب من الْأَسْبَاب الطارئة كَافِيا فِي قرع بَاب الْجُود ، وَمن دق بَاب الْكَرِيم انْفَتح ، وَلَك عِبْرَة بفصل الرّبيع يُؤثر فِي أدنى شَيْء من الْغَرْس وَالْبذْر مَا لَا يُؤثر فِي غَيره أَضْعَاف ذَلِك ، وهمة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واستشرافه للشَّيْء ، ودعوته لَهُ ، واشتياقه إِلَيْهِ ، وَطَلَبه إِيَّاه سَبَب قوي لنزول الْقَضَاء فِي ذَلِك الْبَاب ، وَإِذا كَانَت دَعوته تحيي السّنة الشَّهْبَاء ، وتغلب فِئَة عَظِيمَة من النَّاس ، وتزيد الطَّعَام وَالشرَاب زِيَادَة محسوسة ، فَمَا ظَنك فِي نزُول الحكم الَّذِي هُوَ روح لطيف إِنَّمَا يتَعَيَّن بِوُجُود مثالي ، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن يخرج أَن حُدُوث حَادِثَة عَظِيمَة فخيمة فِي ذَلِك الزَّمَان يفزع لَهَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كقصة الْإِفْك ، وسؤال سَائل يُرَاجع النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحاوره فيهم لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كقصة الظِّهَار يكون سَببا لنزول الْأَحْكَام ، وَأَن يكْشف عَلَيْهِ فِيهَا جلية الْحَال ، وَأَن استبطاء الْقَوْم عَن الطَّاعَة وتبلدهم عَن الانقياد ، وإخلادهم عَن الْعِصْيَان ، وَكَذَا رغبتهم فِي شَيْء ، وعضهم عَلَيْهِ بالنواجذ ، واعتقادهم التَّفْرِيط فِي جنب الله عِنْد تَركه - يكون سَببا لِأَن يشدد عَلَيْهِم بِالْوُجُوب الأكيد وَالتَّحْرِيم الشَّديد ، وَمثل ذَلِك كُله فِي استمطار الْجُود كَمثل الْإِنْسَان الصَّالح قوي الهمة يتوخى سَاعَة انتشار الروحانية وَقُوَّة السَّعَادَة ، فَيسْأَل الله فِيهَا بِجهْد همته ، فَلَا تتراخى إجَابَته ، وَإِلَى هَذِه الْمعَانِي وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى : { يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسئلوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ وَإِن تسئلوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم } . وأصل المرضى أَن يقل هَذَا النَّوْع من أَسبَاب نزُول الشَّرَائِع لِأَنَّهُ يعد لنزول مَا يغلب