تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وَالْمُعْتَبر فِي نزُول الشَّرَائِع لَيْسَ الْعُلُوم والحالات والعقائد المتمثلة فِي صُدُورهمْ فَقَط ، بل أعظمها اعْتِبَارا ، وأولاها اعتدادا مَا نشأوا عَلَيْهِ واندفعت عُقُولهمْ إِلَيْهِ من حَيْثُ يعلمُونَ وَمن حَيْثُ لَا يعلمُونَ ، كَمَا ترى ذَلِك فِي علاقات تمثل شَيْء بِصُورَة غَيره كتمثل منع النَّاس عَن السّحُور فِي صُورَة الْخَتْم على الأفواه ، فان الْخَتْم شبح الْمَنْع عِنْد الْقَوْم استحضروه أم لَا . وَحقّ الله على عباده فِي الأَصْل أَن يعظموه غَايَة التَّعْظِيم ، وَلَا يقدموا على مُخَالفَة أمره بِوَجْه من الْوُجُوه ، وَالْوَاجِب فِيمَا بَين النَّاس أَن يقيموا مصلحَة التَّأْلِيف والتعاون ، وَلَا يُؤْذى أحد أحدا إِلَّا إِذا أَمر بِهِ الرأي الْكُلِّي وَنَحْو ذَلِك ، وَلذَلِك كَانَ الَّذِي وَقع على امْرَأَة يعلم أَنَّهَا أَجْنَبِيَّة - قد أرْخى بَينه وَبَين الله حجاب ، وَكتب ذَلِك من اجترائه على الله ، وَإِن كَانَت امْرَأَته فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ أقدم على مُخَالفَة أَمر الله وَحكمه ، وَالَّذِي وَقع على أَجْنَبِيَّة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا امْرَأَته لَا يألوا فِي ذَلِك مَعْذُورًا فِيمَا بَينه وَبَين الله ، وَكَانَ الَّذِي نذر الصَّوْم مأخوذا بنذره دون من لم ينذر ، وَكَانَ من تشدد فِي الدّين شدد عَلَيْهِ ، وَكَانَت لطمة الْيَتِيم للتأديب حَسَنَة ، وللتعذيب سَيِّئَة ، وَكَانَ الْمُخطئ والناسي معفوا عَنْهُمَا فِي كثير من الْأَحْكَام ، فَهَذَا الأَصْل يتلقاه عُلُوم الْقَوْم وعاداتهم الكامنة مِنْهَا والبارزة ، فيتشخص الشَّرَائِع فِي حَقهم حسب ذَلِك . وَاعْلَم أَن كثيرا من الْعَادَات والعلوم الكامنة يتَّفق فِيهَا الْعَرَب والعجم وَجمع سكان الأقاليم المعتدلة وَأهل الأمزجة الْقَابِلَة للأخلاق الفاضلة . كالحزن لميتهم واستحباب الرِّفْق بِهِ . وكالفخر بِالْأَحْسَابِ والأنساب . وكالنوم إِذا مضى ربع اللَّيْل أَو ثلثه . أَو نَحْو ذَلِك . والاستيقاظ فِي تباشير الصُّبْح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أَو مَا نَا إِلَيْهِ فِي الارتفاقات . فَتلك الْعَادَات والعلوم أَحَق الْأَشْيَاء بِالِاعْتِبَارِ ثمَّ بعْدهَا عادات وعقائد تخْتَص بالمبعوث إِلَيْهِم . فَتعْتَبر تِلْكَ أَيْضا وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا . وَاعْلَم أَن النُّبُوَّة كثيرا مَا تكون من تَحت الْملَّة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : { مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم } . وكما قَالَ : { وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم } . وسر ذَلِك أَنه تنشأ قُرُون كَثِيرَة على التدين بدين . وعَلى تَعْظِيم شعائره . وَتصير أَحْكَامه من المشهورات الذائعة اللاحقة بالبديهيات الأولية الَّتِي لَا تكَاد تنكر . فتجيء نبوة أُخْرَى لإِقَامَة مَا اعوج مِنْهَا : وَصَلَاح مَا فسد مِنْهَا بعد اخْتِلَاط رِوَايَة نبيها ، فتفتش عَن الْأَحْكَام