تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وَقَوله [ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] : " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء ، فَحرم لأجل مَسْأَلته " . وَقَوله [ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] : " إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ودعوت لَهَا فِي مدها وصاعها مثل مَا دَعَا إِبْرَاهِيم لمَكَّة " . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن سَأَلَهُ عَن الْحَج " أهوَ فِي كل عَام لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت لم تقوموا بهَا ، وَلَو لم تقوموا بهَا عذبتم " . وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام لأسباب ومصالح ، وَذَلِكَ أَن شَعَائِر الله إِنَّمَا كَانَت شَعَائِر لمعدات وَأَن الْمَقَادِير يُلَاحظ فِي شرعها حَال الْمُكَلّفين وعاداتهم . فَلَمَّا كَانَت أمزجة قوم نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي غَايَة الْقُوَّة والشدة كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحق تَعَالَى - استوجبوا أَن يؤمروا بدوام الصّيام ؛ ليقاوم سُورَة بهيميتهم ، وَلما كَانَت أمزجة هَذِه الْأمة ضَعِيفَة نهوا عَن ذَلِك ، وَكَذَلِكَ لم يَجْعَل الله تَعَالَى الْغَنَائِم حَلَالا للأولين ، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا ، وَأَن مُرَاد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إصْلَاح مَا عِنْدهم من الارتفاقات ، فَلَا يعدل عَنْهَا إِلَى مَا يباين المألوف إِلَّا مَا شَاءَ الله ، وَأَن مظان الْمصَالح تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والعادات ، وَلذَلِك صَحَّ وُقُوع النّسخ ، وَإِنَّمَا مثله كَمثل الطَّبِيب يعمد إِلَى حفظ المزاج المعتدل فِي جَمِيع الْأَحْوَال ، فتختلف أَحْكَامه باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالزَّمَان ، فيأمر الشَّاب بِمَا لَا يَأْمر بِهِ الشائب ، وَيَأْمُر فِي الصَّيف بِالنَّوْمِ فِي الجو لما يرى أَن الجو مَظَنَّة الِاعْتِدَال حِينَئِذٍ ، وَيَأْمُر فِي الشتَاء بِالنَّوْمِ دَاخل الْبَيْت لما يرى أَنه مَظَنَّة الْبرد حِينَئِذٍ . فَمن عرف أصل الدّين وَأَسْبَاب اخْتِلَاف المناهج لم يكن عِنْده تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل وَلذَلِك نسبت الشَّرَائِع إِلَى أقوامها ، وَرجعت اللائمة إِلَيْهِم حِين استوجبوا بهَا بِمَا عِنْدهم من الاستعداد ، وسألوها جهد سُؤَالهمْ بِلِسَان الْحَال ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ } . وَلذَلِك ظهر فضل أمة نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين استحقوا تعْيين الْجُمُعَة لكَوْنهم أُمِّيين بُرَآء من الْعُلُوم المكتسبة ، واستحقت الْيَهُود السبت لاعتقادهم أَنه يَوْم فرغ الله فِيهِ من الْخلق وَأَنه أحسن شَيْء لأَدَاء الْعِبَادَة مَعَ أَن الْكل بِأَمْر الله ووحيه ، وَمثل الشَّرَائِع فِي ذَلِك كَمثل الْعَزِيمَة يؤمرون بهَا أَولا ، ثمَّ يكون هُنَالك أعذار وحرج ، فتشرع لَهُم الرُّخص لِمَعْنى