تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
فِيهِ حكم الْمصلحَة الْخَاصَّة بذلك الْوَقْت ، فكثيرا مَا كَانَ تضييقا على الَّذين يأْتونَ من بعد ، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكره الْمسَائِل ، وَكَانَ يَقُول : " ذروني مَا تركتكم ، فَإِنَّمَا هلك من قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ " . وَقَالَ : " إِن أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ شَيْئا فَحرم لأجل مسئلته " وَجَاء فِي الْخَبَر : " أَن بني إِسْرَائِيل لَو ذَبَحُوا أَي بقرة شَاءُوا كفت عَنْهُم لَكِن شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم " وَالله أعلم . ( بَاب أَسبَاب الْمُؤَاخَذَة على المناهج ) لنبحث عَن المناهج والشرائع الَّتِي ضربهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ هَل يَتَرَتَّب الثَّوَاب وَالْعَذَاب عَلَيْهَا كَمَا يَتَرَتَّب على أصُول الْبر والاثم ، أَو لَا يَتَرَتَّب إِلَّا على مَا جعلت مظنات وأشباحا وقوالب لَهُ ؟ فَمن ترك صَلَاة وَقت من الْأَوْقَات ، وَقَلبه مطمئن بالاخبات ، هَل يعذب بِتَرْكِهَا ؟ وَمن صلى صَلَاة وَأدّى الْأَركان والشروط حَسْبَمَا يخرج عَن الْعهْدَة ، وَلم يرجع بِشَيْء من الاخبات ، وَلم يدْخل ذَلِك فِي صميم قلبه هَل يُثَاب على فعلهَا ؟ وَلَيْسَ الْكَلَام فِي كَون مَعْصِيّة المناهج مفْسدَة عَظِيمَة من جِهَة كَونهَا قدحا فِي السّنة الراشدة ، وفتحا لباب الْإِثْم ، وغشا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جمَاعَة الْمُسلمين ، وضررا للحي وَالْمَدينَة والإقليم بِمَنْزِلَة سيل سد مجْرَاه لمصْلحَة الْمَدِينَة ، فجَاء رجل ، ونقب السد ، وَنَجَا بِنَفسِهِ وَأهْلك أهل مدينته ، وَلَكِن الْكَلَام فِيمَا يرجع إِلَى نَفسه من إحاطة السَّيِّئَات بهَا أَو إحاطة الْحَسَنَات . فَذهب أهل الْملَل قاطبة إِلَى أَنَّهَا توجب الثَّوَاب وَالْعَذَاب بِنَفسِهَا ، فالمحققون مِنْهُم والراسخون فِي الْعلم والحواريون من أَصْحَاب الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام يدركون مَعَ ذَلِك وَجه الْمُنَاسبَة والارتباط لتِلْك الأشباح والقوالب بأصولها وأرواحها ، وَعَامة حَملَة الدّين ووعاة الشَّرَائِع يكتفون بِالْأولِ ، وَذهب فلاسفة الْإِسْلَام إِلَى أَن الْعَذَاب وَالثَّوَاب إِنَّمَا يكونَانِ على الصِّفَات النفسانية والأخلاق المتشبثة بذيل الرّوح ، وَإِنَّمَا ذكر قوالبها وأشباحها فِي الشَّرَائِع تفهيما وتقريبا للمعاني الدقيقة إِلَى أذهان النَّاس ، هَذَا تَحْرِير الْمقَام على مشرب الْقَوْم . أَقُول : وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْملَل - بَيَان ذَلِك أَن الشَّرَائِع لَهَا معدات وَأَسْبَاب تشخصها ، وترجح بعض محتملاتها على بعض ، وَالْحق يعلم أَن الْقَوْم لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَل بِالدّينِ إِلَّا بِتِلْكَ الشَّرَائِع والمناهج ، وَيعلم أَن هَذِه الأوضاع هِيَ الَّتِي يَلِيق أَن تكون عَلَيْهِم ، فتندرج فِي عناية الْحق بالقوم أزلا ، ثمَّ لما تهَيَّأ الْعَالم لفيضان صور الشَّرَائِع وإيجاد شخوصها المثالية ، فاوجدها وأفاضها ، وتقرر هُنَالك أمرهَا - كَانَت أصلا من الْأُصُول ، ثمَّ لما فتح الله على الْمَلأ الْأَعْلَى هَذَا الْعلم ،