الْقدر الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث المستفيضة ، وَمضى عَلَيْهِ السّلف الصَّالح ، وَلم يوفق لَهُ إِلَّا الْمُحَقِّقُونَ ، وَيتَّجه عَلَيْهِ السُّؤَال بِأَنَّهُ متدافع مَعَ التَّكْلِيف ، وَأَنه فيمَ الْعَمَل - هُوَ الْقدر الملزم الَّذِي يُوجب الْحَوَادِث قبل وجودهَا ، فيوجد بذلك الْإِيجَاب ، لَا يَدْفَعهُ هرب ، وَلَا تَنْفَع مِنْهُ حِيلَة ، وَقد وَقع ذَلِك خمس مَرَّات .
فأولها : أَنه أجمع فِي الْأَزَل أَن يُوجد الْعَالم على أحسن وَجه مُمكن مراعيا للْمصَالح ، مؤثرا لما هُوَ الْخَيْر النسبي حِين وجوده ، وَكَانَ علم الله يَنْتَهِي إِلَى تعْيين صُورَة وَاحِدَة من الصُّور لَا يشاركها غَيرهَا ، فَكَانَت الْحَوَادِث سلسلة مترتبة ، مجتمعا وجودهَا ، لَا تصدق على كثيرين ، فإرادة إِيجَاد الْعَالم مِمَّن لَا تخفى عَلَيْهِ خافية هُوَ بِعَيْنِه تَخْصِيص صُورَة وجوده إِلَى آخر مَا ينجر إِلَيْهِ الْأَمر .
وَثَانِيها : أَنه قدر الْمَقَادِير ، ويروى أَنه كتب مقادير الْخَلَائق كلهَا ، وَالْمعْنَى وَاحِد قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة ، وَذَلِكَ أَنه خلق
الْخَلَائق حسب الْعِنَايَة الأزلية فِي خيال الْعَرْش ، فصور هُنَالك جَمِيع الصُّور ، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالذكر فِي الشَّرَائِع ، فتحقق هُنَالك مثلا صُورَة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَعثه إِلَى الْخلق فِي وَقت كَذَا ، وانذاره لَهُم وإنكار أبي لَهب وإحاطة الْخَطِيئَة بِنَفسِهِ فِي الدُّنْيَا ، ثمَّ اشتعال النَّار عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة ، وَهَذِه الصُّورَة سَبَب لحدوث الْحَوَادِث على نَحْو مَا كَانَت هُنَالك كتأثير الصُّورَة ، المنتقشة فِي أَنْفُسنَا فِي زلق الرجل على الْجذع الْمَوْضُوع فَوق الجدران ، وَلم تكن لتزلق لَو كَانَت على الأَرْض .
وَثَالِثهَا : أَنه لما خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام ليَكُون أَبَا الْبشر ، وليبدأ مِنْهُ نوع الْإِنْسَان أحدث فِي عَالم الْمِثَال صور بنيه وَمثل سعادتهم وشقاوتهم بِالنورِ والظلمة ، وجعلهم بِحَيْثُ يكلفون ، وَخلق فيهم مَعْرفَته والاخبات لَهُ ، وَهُوَ أصل الْمِيثَاق المدسوس فِي فطرتهم ، فيؤاخذون بِهِ ، وَإِن نسوا الْوَاقِعَة إِذا النُّفُوس المخلوقة فِي الأَرْض إِنَّمَا هِيَ ظلّ الصُّور الْمَوْجُودَة يَوْمئِذٍ ، فمدسوس فِيهَا مَا دس يَوْمئِذٍ .
وَرَابِعهَا حِين نفخ الرّوح فِي الْجَنِين ، فَكَمَا أَن النواة إِذا ألقيت فِي الأَرْض فِي وَقت مَخْصُوص ، وأحاط بهَا تَدْبِير مَخْصُوص علم المطلع على خاصية نوع النّخل ، وخاصية تِلْكَ الأَرْض وَذَلِكَ المَاء والهواء أَنه يحسن نباتها ، ويتحقق من شَأْنه على بعض الْأَمر ، فَكَذَلِك تتلقى الْمَلَائِكَة الْمُدبرَة يَوْمئِذٍ ، وينكشف عَلَيْهِم الْأَمر فِي عمره ورزقه ، وَهل يعْمل عمل من غلبت ملكيته على بهيميته ، أَو بِالْعَكْسِ ، وَأي نَحْو تكون سعادته وشقاوته .
حجة الله البالغة — صفحة 127
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٢٧