تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وَأوجب تنزيهه عَن مشابهات الْمَخْلُوقَات بقوله : { لَيْسَ كمثله شَيْء } . فَمن أوجب خلاف ذَلِك بعدهمْ ، فقد خَالف سبيلهم . أَقُول لَا فرق بَين السّمع وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة والضحك وَالْكَلَام والاستواء فَإِن الْمَفْهُوم عِنْد أهل اللِّسَان من كل ذَلِك غير مَا يَلِيق بجناب الْقُدس ، وَهل فِي الضحك اسْتِحَالَة إِلَّا من جِهَة أَنه يَسْتَدْعِي الْفَم ، وَكَذَلِكَ الْكَلَام ؟ وَهل فِي الْبَطْش وَالنُّزُول اسْتِحَالَة إِلَّا من جِهَة أَنَّهُمَا يستدعيان الْيَد وَالرجل ؟ وَكَذَلِكَ السّمع وَالْبَصَر يستدعيان الْأذن وَالْعين ، وَالله أعلم . واستطال هَؤُلَاءِ الخائضون على معشر أهل الحَدِيث ، وسموهم مجسمة ومشبهة ، وَقَالُوا هم المتسترون بالبلكفة ، وَقد وضح عَليّ وضوحا بَينا أَن استطالتهم هَذِه لَيست بِشَيْء وانهم مخطئون فِي مقالتهم رِوَايَة ودراية وخاطئون فِي طعنهم أَئِمَّة الْهدى . وتفصيل ذَلِك أَن هَهُنَا مقامين : أَحدهمَا أَن الله تبَارك وَتَعَالَى كَيفَ اتّصف بِهَذِهِ الصِّفَات ، وَهل هِيَ زَائِدَة على ذَاته أَو عين ذَاته ؟ وَمَا حَقِيقَة السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَغَيرهَا ؟ فَإِن الْمَفْهُوم من هَذِه الْأَلْفَاظ بَادِي الرَّأْي غير لَائِق بجناب الْقُدس . وَالْحق فِي هَذَا الْمقَام أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتَكَلَّم فِيهِ بِشَيْء ، بل حجر أمته عَن التَّكَلُّم فِيهِ والبحث عَنهُ فَلَيْسَ لأحد أَن يقدم على مَا حجره ، وَالثَّانِي أَنه أَي شَيْء يجوز فِي الشَّرْع أَن نصفه تَعَالَى بِهِ وَأي شَيْء لَا يجوز أَن نصفه بِهِ ، وَالْحق أَن صِفَاته وأسماءه توقيفيه بِمَعْنى أَنا وَإِن عرفنَا الْقَوَاعِد الَّتِي بنى الشَّرْع بَيَان صِفَاته تَعَالَى عَلَيْهَا كَمَا حررنا فِي صدر الْبَاب ، لَكِن كثيرا من النَّاس لَو أُبِيح لَهُم الْخَوْض فِي الصِّفَات لضلوا ، وأضلوا ، وَكثير من الصِّفَات وَإِن كَانَ الْوَصْف بهَا جَائِزا فِي الأَصْل ، لَكِن قوما من الْكفَّار حملُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظ على غير محملها . وشاع ذَلِك فِيمَا بَينهم ، فَكَانَ حكم الشَّرْع النَّهْي عَن اسْتِعْمَالهَا دفعا لتِلْك الْمفْسدَة ، وَكثير من الصِّفَات يُوهم اسْتِعْمَالهَا على ظواهرها خلاف المُرَاد ، فَوَجَبَ الِاحْتِرَاز عَنْهَا فلهذه الحكم جعلهَا الشَّرْع توقيفية ، وَلم يبح الْخَوْض فِيهَا بِالرَّأْيِ .
حجة الله البالغة — صفحة 124 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق