وخامسها : قبيل حُدُوث الْحَادِثَة ، فَينزل الْأَمر من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض ، وينتقل شَيْء مثالي ، فتنبسط أَحْكَامه فِي الأَرْض .
وَقد شاهدت ذَلِك مرَارًا ، مِنْهَا أَن نَاسا تشاجروا فِيمَا بَينهم ، وتحاقدوا ،
فالتجأت إِلَى الله ، فَرَأَيْت نقطة مثالية نورانية نزلت من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض فَجعلت تنبسط شَيْئا فَشَيْئًا ، وَكلما انبسطت زَالَ الحقد عَنْهُم فَمَا برحنا الْمجْلس حَتَّى تلاطفوا ، وَرجع كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى مَا كَانَ من الألفة ، وَكَانَ ذَلِك من عَجِيب آيَات الله عِنْدِي .
وَمِنْهَا أَن بعض أَوْلَادِي كَانَ مَرِيضا وَكَانَ خاطري مَشْغُولًا بِهِ ، فَبَيْنَمَا أَنا أُصَلِّي الظّهْر شاهدت مَوته نزل ، فَمَاتَ فِي ليلته .
وَقد بيّنت السّنة بَيَانا وَاضحا أَن الْحَوَادِث يخلقها الله تَعَالَى قبل أَن تحدث فِي الأَرْض خلقا مَا ، ثمَّ ينزل فِي هَذَا الْعَالم فَيظْهر فِيهِ كَمَا خلق أول مرّة سنة من الله تَعَالَى ، ثمَّ قد يمحى الثَّابِت ، وَيثبت الْمَعْدُوم ، بِحَسب هَذَا الْوُجُود قَالَ الله تَعَالَى :
{ يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب }
مثل أَن يخلق الله تَعَالَى الْبلَاء خلقا مَا ، فينزله على الْمُبْتَلى ، ويصعد الدُّعَاء ، فَيردهُ ، وَقد يخلق الْمَوْت ، فيصعد الْبر ، ويدده وَالْفِقْه فِيهِ أَن الْمَخْلُوق النَّازِل سَبَب من الْأَسْبَاب العادية كالطعام وَالشرَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقَاء الْحَيَاة وَتَنَاول السم ، وَالضَّرْب بِالسَّيْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْت ، وَقد دلّ أَحَادِيث كَثِيرَة على ثُبُوت عَالم تتجسم فِيهِ الْأَعْرَاض ، وتنتقل الْمعَانِي ، ويخلق الشَّيْء قبل ظُهُوره فِي الأَرْض ، مثل كَون الرَّحِم مُعَلّقا بالعرش ، وتزول الْفِتَن كمواقع الْقطر ، وَخلق النّيل والفرات فِي أصل السِّدْرَة ، ثمَّ أنزالهما إِلَى الأَرْض ، وإنزال الْحَدِيد والانعام وإنزال الْقُرْآن إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا مجموعا ، وَحُضُور الْجنَّة وَالنَّار بَين يَدي النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَين جِدَار الْمَسْجِد بِحَيْثُ يُمكن تنَاول العنقود ، وَيَأْتِي حر النَّار ، وكتعالج الْبلَاء وَالدُّعَاء ، وَخلق ذُرِّيَّة آدم ، وَخلق الْعقل ،
وَأَنه أقبل وَأدبر ، وإتيان الزهراوين كَأَنَّهُمَا فرقان ، وَوزن الْأَعْمَال ، وحفوف الْجنَّة بالمكاره وَالنَّار بالشهوات ، وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على من لَهُ أدنى معرفَة بِالسنةِ .
وَاعْلَم أَن الْقدر لَا يزاحم سَبَبِيَّة الْأَسْبَاب لمسبباتها ، لأنه إِنَّمَا تعلق بالسلسلة المترتبة جملَة مرّة وَاحِدَة ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرقى والدواء والتقاة هَل ترد شَيْئا من قدر الله ؟ قَالَ : "
حجة الله البالغة — صفحة 128
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٢٨