وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يسيبون السوائب والبحائر تقربا إِلَى شركائهم فَقَالَ الله تَعَالَى :
{ مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة } . الْآيَة
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي آناس أَن أَسْمَاءَهُم مباركة معظمة ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الْحلف بأسمائهم على الْكَذِب يسْتَوْجب حرما فِي مَاله وَأَهله ، فَلَا يقدمُونَ على ذَلِك ، وَلذَلِك كَانُوا يستحلفون الْخُصُوم بأسماء الشُّرَكَاء بزعمهم ، فنهو عَن ذَلِك وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك " وَقد فسره بعض الْمُحدثين على معنى التَّغْلِيظ والتهديد ، وَلَا أَقُول
بذلك وَإِنَّمَا المُرَاد عِنْدِي الْيَمين المنعقدة وَالْيَمِين الْغمُوس باسم غير الله تَعَالَى على اعْتِقَاد مَا ذكرنَا .
وَمِنْهَا الْحَج لغير الله تَعَالَى ، وَذَلِكَ أَن يقْصد مَوَاضِع متبركة مُخْتَصَّة بشركائهم يكون الْحُلُول بهَا تقربا من هَؤُلَاءِ ، فَنهى الشَّرْع عَن ذَلِك ، وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد " .
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يسمون أبناءهم عبد الْعُزَّى وَعبد شمس وَنَحْو ذَلِك فَقَالَ الله :
{ هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا فَلَمَّا تغشاها } .
وَجَاء فِي الحَدِيث أَن حَوَّاء سمت وَلَدهَا عبد الْحَرْث وَكَانَ ذَلِك من وَحي الشَّيْطَان ، وَقد ثَبت فِي أَحَادِيث لَا تحصى أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير أَسمَاء أَصْحَابه عبد الْعَزِيز وَعبد شمس وَنَحْوهمَا إِلَى عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَمَا أشبههما ، فَهَذِهِ أشباح وقوالب للشرك نهى الشَّارِع عَنْهَا لكَونهَا قوالب لَهُ ، وَالله أعلم .
( بَاب الْإِيمَان بِصِفَات الله تَعَالَى )
اعْلَم أَن من أعظم أَنْوَاع الْبر الْإِيمَان بِصِفَات الله تَعَالَى ، واعتقاد اتصافه بهَا ، فَإِنَّهُ يفتح بَابا بَين هَذَا العَبْد وَبَينه تَعَالَى ويعده لانكشاف مَا هُنَالك من الْمجد والكبرياء .
وَاعْلَم أَن الْحق تَعَالَى أجل من أَن يُقَاس بمعقول ، أَو محسوس ، أَو يحل فِيهِ صِفَات كحلول الْأَعْرَاض فِي محالها أَو تعالجه الْعُقُول العامية ، أَو تتناوله الْأَلْفَاظ الْعُرْفِيَّة ، وَلَا بُد من تَعْرِيفه إِلَى النَّاس ، ليكملوا كمالهم
الْمُمكن لَهُم ، فَوَجَبَ أَن تسْتَعْمل الصِّفَات بِمَعْنى وجود غايتها ، لَا بِمَعْنى وجود مباديها ، فَمَعْنَى الرَّحْمَة إفَاضَة النعم ، لَا انعطاف الْقلب والرقة ، وَأَن تستعار أَلْفَاظ تدل على تسخير الْملك لمدينته لتخسيره لجَمِيع الموجودات ، إِذْ لَا عبارَة فِي هَذَا الْمَعْنى أفْصح من هَذِه ، وَأَن تسْتَعْمل تشبيهات بِشَرْط أَلا
حجة الله البالغة — صفحة 122
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٢٢