( المبحث الْخَامِس )
( مَبْحَث الْبر وَالْإِثْم )
( مُقَدّمَة فِي بَيَان حَقِيقَة الْبر وَالْإِثْم )
إِذْ قد ذكرنَا لمية المجازاة وإنيتها ، ثمَّ ذكرنَا الارتفاقات الَّتِي جبل عَلَيْهَا الْبشر ، فَهِيَ مستمرة فيهم لَا تنفك عَنْهُم ، ثمَّ ذكرنَا السَّعَادَة وَطَرِيق اكتسابها ، حَان أَن نشتغل بتحقيق معنى الْبر وَالْإِثْم .
فالبر كل عمل يَفْعَله الْإِنْسَان قَضِيَّة لإنقياد للملأ الْأَعْلَى واضمحلاله فِي تلقي الإلهام من الله وصيرورته فانيا فِي مُرَاد الْحق ، وكل عمل يجازى عَلَيْهِ
خيرا فِي الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة ، وكل عمل يصلح الارتفاقات الني بنى عَلَيْهَا نظام الْإِنْسَان ، وكل عمل يُفِيد حَالَة الانقياد ، وَيدْفَع الْحجب .
وَالْإِثْم كل عمل يَفْعَله الْإِنْسَان قَضِيَّة لانقياده للشَّيْطَان وصيرورته فانيا فِي مُرَاده ، وكل عمل يجازى عَلَيْهِ شرا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، وكل عمل يفْسد الارتفاقات وكل عمل يُفِيد هَيْئَة مضادة للانقياد ، ويؤكد الْحجب .
وكما أَن الارتفاقات استنبطها أولو الْخِبْرَة ، فاقتدى بهم النَّاس بِشَهَادَة قُلُوبهم . وَاتفقَ عَلَيْهِ أهل الأَرْض ، أَو من يعْتد بِهِ مِنْهُم ، فَكَذَلِك للبر سننن ألهمها الله تَعَالَى فِي قُلُوب المؤيدين فِي بِالنورِ الملكي الْغَالِب عَلَيْهِم خلق الْفطْرَة بِمَنْزِلَة مَا ألهم فِي قُلُوب النَّحْل مَا يصلح بِهِ معاشها ، فجروا عَلَيْهَا ، وَأخذُوا بهَا وأرشدوا إِلَيْهَا وحثوا عَلَيْهَا ، فاقتدى بهم النَّاس ، وَاتفقَ عَلَيْهَا أهل الْملَل جَمِيعهَا فِي أقطار الأَرْض على تبَاعد بلدانهم وَاخْتِلَاف أديانهم بِحكم مُنَاسبَة فطرية واقتضاء نَوْعي ، وَلَا يضر ذَلِك اخْتِلَاف صور تِلْكَ السّنَن بعد الِاتِّفَاق على أُصُولهَا ، وَلَا صدود طَائِفَة مخدجة لَو تَأمل فيهم أَصْحَاب البصائر لم يشكو أَن مادتهم عَصَتْ الصُّورَة النوعية ، وَلم تمكن لأحكامها ، وهم فِي الْإِنْسَان كالعضو الزَّائِد فِي الْجَسَد ، زَوَاله أجمل لَهُ من بَقَائِهِ .
ولشيوع هَذِه السّنَن أَسبَاب جليلة ، وتدبيرات محكمَة أحكمها المؤيدون بِالْوَحْي صلوَات الله عَلَيْهِم ، فأثبتوا لَهُم منَّة عَظِيمَة فِي رِقَاب النَّاس ، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على أصُول هَذِه السّنَن مِمَّا أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور أهل الأقاليم الصَّالِحَة من الْأُمَم الْعَظِيمَة الَّتِي
حجة الله البالغة — صفحة 114
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١١٤