الْمَرْء وشقاوته وَصِحَّته وسقمه ، وَأَن لَهَا نفوساً مُجَرّدَة عَاقِلَة تبعثها على الْحَرَكَة ، وَلَا تغفل عَن عبادها ، فبنوا هيا كل على أسمائها وعبدوها
وَالْمُشْرِكُونَ وافقوا الْمُسلمين فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام ، وَفِيمَا أبرم وَجزم ، وَلم يتْرك لغيره خيرة ، وَلم يوافقوهم فِي سَائِر الْأُمُور ، ذَهَبُوا إِلَى أَن الصَّالِحين من قبلهم عبدُوا الله وتقربوا إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُمْ الله الألوهية ، فاستحقوا الْعِبَادَة من سَائِر خلق الله ، كَمَا أَن ملك الْمُلُوك يَخْدمه عَبده ، فَيحسن خدمته ، فيعطيه خلعة الْملك ، ويفوض إِلَيْهِ تَدْبِير بلد من بِلَاده ، فَيسْتَحق السّمع وَالطَّاعَة من أهل ذَلِك الْبَلَد ، وَقَالُوا : لَا تقبل عبَادَة الله إِلَّا مَضْمُومَة بعبادتهم بل الْحق فِي غَايَة التعالي ، فَلَا تفِيد عِبَادَته تقربا مِنْهُ ، بل لَا بُد من عبَادَة هَؤُلَاءِ ليقربوا إِلَى الله زلفى ، وَقَالُوا هَؤُلَاءِ يسمعُونَ ، ويبصرون ، ويشفعون لعبادهم ، ويدبرون أُمُورهم ، وينصرونهم ، فنحتوا على أسمائهم أحجارا ، وجعلوها قبْلَة عِنْد توجههم إِلَى هَؤُلَاءِ ، فخلف من بعدهمْ خلف ، فَلم يفطنوا للْفرق بَين الْأَصْنَام وَبَين من هِيَ على صورته ، فظنوها معبودات بِأَعْيَانِهَا ، وَلذَلِك رد الله تَعَالَى عَلَيْهِم تَارَة بالتنبيه على أَن الحكم وَالْملك لَهُ خَاصَّة ، وَتارَة بِبَيَان أَنَّهَا جمادات .
{ ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا أم لَهُم أيد يبطشون بهَا أم لَهُم أعين يبصرون بهَا أم لَهُم آذان يسمعُونَ بهَا } .
وَالنَّصَارَى ذَهَبُوا إِلَى أَن للمسيح عَلَيْهِ السَّلَام قربا من الله ، علوا على الْخلق ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُسمى عبدا ، فيسوى بِغَيْرِهِ ، لِأَن هَذَا سوء أدب مَعَه واهمال لقُرْبه من الله ، ثمَّ مَال بَعضهم عِنْد التَّعْبِير عَن تِلْكَ الخصوصية إِلَى تَسْمِيَته ابْن الله نظرا إِلَى أَن الْأَب يرحم الابْن ، ويربيه على عَيْنَيْهِ ، وَهُوَ
فَوق العبيد ؛ فَهَذَا الِاسْم أولى بِهِ وَبَعْضهمْ إِلَى تَسْمِيَته بِاللَّه نظرا إِلَى أَن الْوَاجِب حل فِيهِ ، وَصَارَ دَاخله ، وَلِهَذَا يصدر مِنْهُ آثَار لم تعهد من الْبشر ، مثل إحْيَاء الْأَمْوَات ، وَخلق الطين ، فَكَلَامه كَلَام الله ، وعبادته هِيَ عبَادَة الله ، فخلف بعدهمْ خلف لم يفطنوا لوجه التَّسْمِيَة ، وكادوا يجْعَلُونَ النُّبُوَّة حَقِيقِيَّة ، أَو يَزْعمُونَ أَنه الْوَاجِب من جَمِيع الْوُجُوه ، وَلذَلِك رد الله تَعَالَى عَلَيْهِم تَارَة . بِأَنَّهُ لَا صَاحِبَة لَهُ وَتارَة بِأَنَّهُ بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض .
{ إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون } .
وَهَذِه الفرف الثَّلَاث لَهُم دعاوى عريضة وخرافات كَثِيرَة لَا تخفى على المتتبع ، وَعَن هَاتين المرتبتين بحث الْقُرْآن الْعَظِيم ، ورد على الْكَافرين شبهتهم ردا مشبعا .
حجة الله البالغة — صفحة 116
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١١٦