بت عنده ليلة فعطش وقد نمنا ، فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه ، وكنت منتبهًا ، فرأيته وقد قام يمشي قليلًا قليلًا إلى البرادة ، وبينه وبينها بعد ، حتى شرب ورجع .
قَالَ يَحْيَى : ثم بت عنده ونحن بالشام وما معي أحد فلم يحملني النوم ، فأخذ المأمون سعال ، فرأيته يسد فاه بكم قميصه كي لا أنتبه ، ثم حملني آخر الليل النوم ، وكان له وقت يقوم فيه يستاك ، فكره أن ينبهني ، فلما ضاق الوقت عليه تحركت ، فَقَالَ : اللَّه أكبر ، يا غلمان ، نعل أبي مُحَمَّد .
قَالَ يَحْيَى بن أكثم : وكنت أمشي يومًا مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان ، والشمس علي وهو في الظل ، فلما رجعنا ، قَالَ لي : كن الآن أنت في الظل ، فأبيت عليه ، فَقَالَ : أول العدل أن يعدل الملك في بطانته ، ثم الذين يلونهم ، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى .
أَخْبَرَنِي الْحَسَن بن مُحَمَّد الخلال ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عمران ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بن مُحَمَّد الموصلي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن محمود الْمَرْوَزِيّ ، قَالَ : سمعت يَحْيَى بن أكثم الْقَاضِي ، يَقُول : ما رأيت أكمل آلة من المأمون ، وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه ، ثم قَالَ : كنت عنده ، يعني ليلة ، أذاكره وأحدثه ، ثم نام وأنتبه ، فَقَالَ : يا يَحْيَى انظر أيش عند رجلي ، فنظرت فلم أر شيئًا ، فقَالَ : شمعة ، فتبادر الفراشون ، فقَالَ : انظروا ، فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها ، فقلت : قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب ، فقَالَ : معاذ اللَّه ، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم ، فَقَالَ :
يا راقد الليل انتبه إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه ثقة محللة العرى
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 437
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٤٣٧