تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
بدويا قحا ، وقد كَانَ تعلم الكتابة والقراءة ، فلزم أهل العلم والأدب ، وأكثر من ملازمة الوراقين ، فكان علمه من دفاترهم ، فأخبرني وراق ، كَانَ يجلس إليه يوما ، قَالَ لي : ما رأيت أحفظ من هَذَا الفتى بْن عيدان قط ، فقلت لَهُ : كيف ؟ فَقَالَ : كَانَ اليوم عندي ، وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعي ، سماه الوراق وأنسيه أَبُو الْحَسَن ، يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه ، قَالَ : فأخذ ينظر فيه طويلا ، فَقَالَ لَهُ الرجل : يا هَذَا أريد بيعه ، وقد قطعتني عَنْ ذلك ، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء اللَّه بعد سنة ، فَقَالَ لَهُ : أن كنت حفظته فمالي عليك ؟ قَالَ : أهب لك الكتاب ، قَالَ : فأخذت الدفتر من يده ، فأقبل يتلوه على إِلَى آخره ، ثم استلبه فجعله فِي كمه ، وقام فعلق بِهِ صاحبه وطالبه بالثمن ، فَقَالَ : ما إِلَى ذلك سبيل قد وهبته لي ، قَالَ : فمنعانه منه ، وقلنا لَهُ : أنت شرطت على نفسك هَذَا للغلام ، فتركه عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن : كَانَ عيدان والد المتنبي يذكر أنه من جعفى ، وكانت جدة المتنبي همدانية صحيحة النسب لا أشك فيها ، وكانت جارتنا ، وكانت من صلحاء النساء الكوفيات . قَالَ التنوخي : قَالَ أَبِي : فاتفق مجيء المتنبي بعد سنين إِلَى الأهواز منصرفا من فارس ، فذاكرته بأبي الْحَسَن ، فَقَالَ : تربى وصديقي وجاري بالكوفة ، وأطراه ووصفه ، وسألت المتنبي عَنْ نسبه فما اعترف لي بِهِ ، وَقَالَ : أنا رجل أحيط القبائل وأطوي البوادي وحدي ، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بينها وبين القبيلة التي أنتسب إليها ، وما دمت غير منتسب إلي أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني . قَالَ : واجتمعت بعد موت المتنبي بسنين مع الْقَاضِي أَبِي الْحَسَن بْن أم شيبان الهاشمي الْكُوفِيّ ، وجرى ذكر المتنبي ، فَقَالَ : كنت أعرف أباه بالكوفة