حوائج الناس وسأله إعفاءه من ذلك .
فنضح عن نفسه فيما عاتبه عليه ، وأجابه إلى أن لا يسأله حاجة لأحد .
فأمره بالغدو على المنصور ، ورجع إلى المنصور فأعلمه ذلك .
وبلغ قوما من قريش قدموا العراق لحوائجهم ، ما كان من أمر محمد بن جعفر ومن الربيع ، وأنه عازم على الغدو على المنصور ، وكتبوا حوائجهم في رقاع ووقفوا بها على طريق محمد بن جعفر .
فلما غدا يريد المنصور ، عرضوا له بها ، ومتوا إليه بقراباتهم وتوسلوا ، بأرحامهم ، وسألوه إيصال رقاعهم ، والتماس نجاح ما فيها .
فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، وألحوا عليه ، فقال : لست أكلم المنصور في حاجة لأحد من الناس ، فإن أحببتم أن تودعوا رقاعكم كمي فافعلوا .
فقذفوا رقاعهم في كمه ومضى حتى دخل على المنصور وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام ودجلة والصراة وما حولهما من البساتين والمزارع .
فعاتبه فنضح عن نفسه ، ثم حادثه ساعة ، قَالَ له المنصور : أما ترى حسن مستشرفنا هذا ؟ قَالَ : أرى يا أمير المؤمنين فبارك الله لك فيما آتاك ، وهنأك بإتمام النعمة عليك ما أعطاك ، فما بنت العرب في دولة الإسلام ، ولا العجم في مدة الكفر ، مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع للخصال المحمودة منها ، وقد سمجتها في عيني يا أمير المؤمنين خصلة .
قَالَ : وما هي ، قَالَ : ليس لي فيها ضيعة ، فتبسم ثم قَالَ : فإني أحسنها في عينيك بثلاث ضياع أقطعك في أكنافها ، فاغد على أمير المؤمنين يسجل لك بها ، فقال : أنت والله يا أمير المؤمنين سهل الموارد كريم المصادر ، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه ، فقد بررت فأفضلت ، ووصلت فأجزلت ، وأنعمت فأسبغت ، فبدرت الرقاع من كمه وهو يتشكر له ، فأقبل يردهن في كمه ، ويقول : ارجعن خاسئات فضحك ، وَقَالَ : بحق أمير المؤمنين عليك لما أخبرته خبر هذه الرقاع ، فأعلمه
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 474
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٤٧٤