تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قلنا : هذه مصادر في أصل وضعها ، ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء ، حيث صارت عبارة عن صفات لازمة وعن حاسة باطنة كالبصرة ، ألا ترى أنك إذا قلت : عقلت البعير عقلاً ، لم يجز في هذا المصدر الجمع ، فإذا أردت به المعنى الذي استعير له - وهو عقل الإنسان - جاز جمعه ، إذ صار للإنسان كأنه حاسة باطنة كالبصر ، ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن مع السمع فهو مجموع ، والسمع غير مجموع في أجود الكلام ، لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية ، ولكون البصر على وزن " فعل " كالأسماء ، ولأنه يراد به الحاسة . وقد يجوز في السمع - على ضعف - أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون المصدر كما تجمع الفهم على أفهام ، ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط ، وهو أن يكون الأفهام والأسماع ونحوهما مضافة إلى جمع ، نحو : أفهام القوم ، وأسماع الزيدين . ولو كان هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر ، لما جاز أن تقول : عرفت أفهام القوم في هذه المسألة ، وعرفت علومهم بزيد ، لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها ، بل هي متماثلة وإن اختلفت محالها ، فعلم زيد وعلم عمرو ، إذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان ، وعلم زيد بشيء واحد وعلم بشيء آخر مختلفان ، لاختلاف المعلومين ، ولا نطول بإقامة البرهان على هذا الأصل ، فإنه ثابت في كتب الأصول وإنما أردنا أن نبين أن الأفهام والعقول لم تجمع لاختلاف أنواعها ، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد . وتجيء مفردة عند اختلافها نحو : فهم زيد بالحساب وفهمه بالنحو وفهمه بغير ذلك . لا يقال : عرفت أفهام زيد بالصناعات ، ولكن تقول : " عرفت فهم زيد " بالإفراد مع اختلاف متعلقه ، واختلاف متعلقه يوجب اختلافه . وإذا ثبت هذا فلم يجمع " الفهم " على أفهام إلا من حيث كانت بمنزلة حاسة باطنة للإنسان ، فإذا أضيف إلى أناسي كثيرة جمع ، وإذا أضيف إلى إنسان واحد لم يجمع ، لأنه كالحاسة الواحدة ، وإن كان في أصله مصدراً ، فرب مصدر أجري مجرى الأسماء كقولهم : ضيف وضيوف ، وعدل وعدول ، وصيد وصيود .