تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
الْعَفْوَ عَنِ الدِّيَةِ لَغْوٌ ، وَالْوَلِيُّ عَلَى خِيرَتِهِ كَمَا كَانَ . وَالثَّالِثُ : إِنْ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، فَلَا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا رُجُوعَ إِلَى الدِّيَةِ اسْتِقْلَالًا ، فَلَوْ تَرَاضَيَا بِمَالٍ مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ أَوْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهَا ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ كَمَا لَا تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى عِوَضٍ ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ ، لِأَنَّ الدَّمَ مُتَقَوَّمٌ شَرْعًا ، كَالْبُضْعِ بِخِلَافِ الْعِرْضِ ، وَلَوْ جَرَى الصُّلْحُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ، كَاخْتِلَاعِ الْأَجْنَبِيِّ وَأَوْلَى ، لِأَنَّ حَقْنَ الدَّمِ مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَلَوْ عَفَا ، أَوْ صَالَحَ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ قَبْلَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الدِّيَةِ . فَإِنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ ، جَازَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ الدِّيَةِ ، أَمْ أَقَلُّ ، أَوْ أَكْثَرُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ بِلَا دِيَةٍ ، وَصُورَتُهُ مَا إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ ، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ ، فَقُطِعَتْ يَدُ الْجَانِي قِصَاصًا ، أَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ قِصَاصًا ، ثُمَّ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ حَزُّ رَقَبَتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا سَبَقَ . وَلَوْ قَالَ : عَفَوْتُ عَنْكَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَاصَ وَلَا الدِّيَةَ ، أَوْ قَالَ : عَفَوْتُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ وَيُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يُقَالُ لَهُ : اصْرِفِ الْآنَ إِلَى مَا شِئْتَ مِنْهُمَا ، وَلَوْ قَالَ : اخْتَرْتُ الدِّيَةَ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّ اخْتِيَارَهُ أَحَدَهُمَا لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنَ الثَّانِي ، بَلْ يَبْقَى خِيَارُهُ كَمَا كَانَ ، وَلَوْ قَالَ : اخْتَرْتُ الْقِصَاصَ ، فَقِيَاسُ الْقَفَّالِ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ ، أَمْ لَا كَعَكْسِهِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الثَّانِي ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ ،