مِنَ الْأَسْبَابِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : الْمُصَدَّقُ الْجَانِي بِيَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ ، فَقَالَ الْوَارِثُ : مَاتَ بِالسِّرَايَةِ ، وَقَالَ الْجَانِي : بَلْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأَيُّهُمَا الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : الْوَارِثُ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي « الْأُمِّ » .
فَرْعٌ .
ضَرَبَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا بِسِيَاطٍ ، أَوْ عَصًى خَفِيفَةٍ حَتَّى قَتَلُوهُ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَتْ ضَرَبَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلَةً لَوِ انْفَرَدَتْ ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ ، فَهَلْ تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ ، أَمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ؟ قَوْلَانِ ، أَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ .
لِأَنَّ الضَّرَبَاتِ تُلَاقِي ظَاهِرَ الْبَدَنِ ، فَلَا يَعْظُمُ فِيهَا التَّفَاوُتُ بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ قَاتِلًا ، بِأَنْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ ضَرْبَةً ، فَمَاتَ ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
أَحَدُهَا : لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ ، وَالثَّانِي : يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ الْقِصَاصُ ، لِئَلَّا يَصِيرَ ذَرِيعَةً إِلَى الْقَتْلِ ، وَأَصَحُّهَا : أَنَّهُمْ إِنْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوهُ تِلْكَ الضَّرَبَاتِ ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ وَقَعَتِ اتِّفَاقًا ، فَلَا .
وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ قَطْعًا ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ سَوْطَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةً ، وَآخَرُ خَمْسِينَ سَوْطًا ، أَوْ مِائَةً قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ ، وَلَا تَوَاطُؤٌ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِأَنَّ ضَرْبَ الْأَوَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ .
وَالثَّانِي شَرِيكٌ لَهُ ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَبِضَرْبِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ ، وَأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ خَمْسِينَ ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الْآخَرُ سَوْطَيْنِ قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي عَالِمًا بِضَرْبِ الْأَوَّلِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ لِظُهُورِ قَصْدِ الْإِهْلَاكِ فِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْإِهْلَاكِ مِنَ الثَّانِي .
وَالْأَوَّلُ شَرِيكُهُ ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 166
مساهمون: النووي
ص١٦٦