تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ الْمَوْضِعِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ ، لِأَنَّ الْحَيَّةَ تَنْفِرُ مِنَ الْآدَمِيِّ ، وَالسَّبُعَ يَقْصِدُهُ فِي الْمَضِيقِ وَيَتَوَثَّبُ . وَفِي الْمَوْضِعِ الْوَاسِعِ لَا يَقْصِدُهُ قَصْدَهُ فِي الْمَضِيقِ ، إِنَّمَا يَقْصِدُهُ دَفْعُهُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَالْفِرَارُ ، فَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ ، وَالْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْحَيَّةَ إِنْ كَانَتْ تَقْصِدُ وَلَا تَنْفِرُ ، فَهِيَ كَالسَّبُعِ ، وَأَنَّهَا أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّبَاعِ ، وَأَنَّ السَّبُعَ إِذَا كَانَ ضَارِيًا شَدِيدَ الْعَدْوِ وَلَا يَتَأَتَّى الْهَرَبُ مِنْهُ فِي الصَّحْرَاءِ . وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَجَعَلَ الْإِمَامُ هَذَا بَيَانًا لِمَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَاسْتِدْرَاكًا ، وَأَمَّا الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَجَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفًا فِيهَا ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي بَيْتٍ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ كَالسَّبُعِ ، وَقَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي السَّبُعِ ، وَهُمَا غَرِيبَانِ . وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي الْحَيَّةِ وَالسَّبُعِ فَذَلِكَ إِذَا قَتَلَ فِي الْحَالِ ، أَوْ جَرَحَ جِرَاحَةً تَقْتُلُ غَالِبًا ، أَمَّا إِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَكَأَنَّ تِلْكَ الْجِرَاحَةَ صَدَرَتْ مِنَ الْمُغْرِي . وَإِذَا أَمْكَنَ الْمُغْرَى عَلَيْهِ الْفِرَارُ ، فَلَمْ يَفِرَّ ، قَالَ الْإِمَامُ : هُوَ كَتَرْكِ السِّبَاحَةِ ، وَالْمَجْنُونُ الضَّارِي فِي ذَلِكَ كَالسَّبُعِ ، وَلَوْ رَبَطَ فِي دَارِهِ كَلْبًا عَقُورًا ، وَدَعَا إِلَيْهَا رَجُلًا ، فَافْتَرَسَهُ الْكَلْبُ ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا ضَمَانَ . وَلَمْ يُجْعَلْ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الدِّهْلِيزِ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهَا ، لِأَنَّ الْكَلْبَ يَفْتَرِسُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِعَصًا وَسِلَاحٍ . الطَّرَفُ الرَّابِعُ : فِي اجْتِمَاعِ مُبَاشَرَتَيْنِ : فَإِذَا صَدَرَ فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مِنْ شَخْصَيْنِ ، نُظِرُ ، إِنْ وُجِدَا مَعًا ، فَهُمَا قَاتِلَانِ ، سَوَاءٌ كَانَا مُذَفَّفَيْنِ بِأَنْ حَزَّ أَحَدُهُمَا رَقَبَتَهُ ، وَقَدَّهُ الْآخَرُ