تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
ثُمَّ مَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فِي حَقِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ يَسْقُطُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ ، وَأَمَّا تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ، وَتَوْبَةُ الزَّانِي وَالسَّارِقِ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : كَذَلِكَ ، وَيَكُونُ إِظْهَارُ التَّوْبَةِ كَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ السَّيْفِ . وَالثَّانِي : يُشْتَرَطُ مَعَ التَّوْبَةِ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ لِيَظْهَرَ صِدْقُهُ فِيهَا ، وَنَسَبَ الْإِمَامُ هَذَا الْوَجْهَ إِلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَالْأَوَّلَ إِلَى سَائِرِ الْأَصْحَابِ . وَالَّذِي ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ هُوَ مَا نَسَبَهُ إِلَى الْقَاضِي ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) [ الْمَائِدَةِ : 34 ] لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ التَّوْبَةِ ، وَقَالَ فِي الزِّنَى : ( فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ) [ النِّسَاءِ : 16 ] ، وَفِي السَّرِقَةِ : ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ) [ الْمَائِدَةِ : 36 ] قَالَ الْإِمَامُ : مَعْرِفَةُ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ بِأَنْ يُمْتَحَنَ سِرًّا وَعَلَنًا ، فَإِنْ بَدَا الصَّلَاحُ ، أَسْقَطْنَا الْحَدَّ عَنْهُ ، وَإِلَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَقِيقَتِهِ ، وَإِنْ خُلِّيَ فَكَيْفَ يُعَرَفُ صَلَاحُهُ ؟ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا : إِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ ، امْتَنَعْنَا مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ ، فَإِنْ لَمْ يُظْهَرْ مَا يُخَالِفُ الصَّلَاحَ ، فَذَاكَ ، وَإِنْ ظَهَرَ ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَى فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ طَرِيقَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : تَخْصِيصُهُمَا بِمَنْ تَابَ قَبْلَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي ، فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الرَّفْعِ ، لَمْ يَسْقُطْ قَطْعًا . وَالثَّانِي : طَرْدُهُمَا فِي الْحَالَيْنِ ، وَقَدْ يَرْجِعُ هَذَا الْخِلَافُ إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِهَا تُسْقِطُ الْحَدَّ ، أَمْ يُعْتَبَرُ الْإِصْلَاحُ ؟ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ اشْتُرِطَ مُضِيُّ زَمَنٍ يَظْهَرُ بِهِ الصِّدْقُ ، فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ بَعْدَ الرَّفْعِ . فَرْعٌ إِذَا تَابَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ ، سَقَطَ عَنْهُ انْحِتَامُ الْقَتْلِ ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتَصَّ ، وَلَهُ الْعَفْوُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ يُسْقِطُ الْقِصَاصَ ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا ، وَحُكِيَ وَجْهٌ