تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
جُمَلٍ ، إِحْدَاهَا فِي الْمُفْتِي ، فَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ وَبُلُوغُهُ وَعَدَالَتُهُ ، فَالْفَاسِقُ لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ بِاجْتِهَادِهِ ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَيْضًا التَّيَقُّظُ وَقُوَّةُ الضَّبْطِ ، فَلَا يُقْبَلُ مِمَّنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَالسَّهْوُ ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ ، فَلَوْ عَرَفَ الْعَامِّيُّ مَسْأَلَةً أَوْ مَسَائِلَ بِدَلِيلِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا ، وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ فِيهَا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسِيًّا فَلَا ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَالْعَالِمُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ كَالْعَامِّيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ . وَمَوْتُ الْمُجْتَهِدِ هَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يُقَلَّدَ وَيُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ ، بَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ كَمَا يُعْمَلُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ قَوْلُهُ بِمَوْتِهِ ، لَبَطَلَ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ الْمُجْمِعِينَ ، وَلَصَارَتِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً ، وَلِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ ، فَلَوْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَاضِينَ ، لَتَرَكْنَا النَّاسَ حَيَارَى . وَبَنَوْا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ ، وَتَبَحَّرَ فِيهِ ، لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ ؟ فَعَلَى الصَّحِيحِ يَجُوزُ . هَكَذَا صَوَّرُوا الْفَرْعَ ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِذَا كَانَ الْمَأْخَذُ مَا ذَكَرْنَا ، فَسَوَاءٌ الْمُتَبَحِّرُ وَغَيْرُهُ ، بَلِ الْعَامِّيُّ إِذَا عَرَفَ حُكْمَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ فَأَخْبَرَ بِهِ ، وَأَخَذَ غَيْرُهُ بِهِ تَقْلِيدًا لِلْمَيِّتِ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الصَّحِيحِ . قُلْتُ : هَذَا الِاعْتِرَاضُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا رُبَّمَا ظَنَّ مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ مَذْهَبَهُ ، لِقُصُورِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَظَانِّ الْمَسْأَلَةِ وَاخْتِلَافِ نُصُوصِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ ، وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا ، وَالرَّاجِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، لَاسِيَّمَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي لَا يَكَادُ يَعْرِفُ مَا يُفْتَى بِهِ مِنْهُ إِلَّا أَفْرَادٌ ، لِكَثْرَةِ انْتِشَارِهِ ، وَاخْتِلَافِ نَاقِلِيهِ فِي النَّقْلِ وَالتَّرْجِيحِ . فَإِنْ فُرِضَ هَذَا فِي مَسَائِلَ صَارَتْ كَالْمَعْلُومَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ ، كَوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 99 | النووي / زهير الشاويش