تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
قَطْعًا . فَالَّذِينَ تَهَوَّدُوا أَوْ تَنَصَّرُوا بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنَاكَحُونَ . وَفِي الْمُتَهَوِّدِينَ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَبَيْنَ عِيسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ، وَمَنْ جَوَّزَ كَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ عِيسَى لِشَرِيعَةِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - ، وَهَلْ نُسِخَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا ، وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ . الرَّابِعُ : أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَا يُعْلَمُ مَتَى دَخَلُوا ، فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ ، وَيُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، وَبِذَلِكَ حَكَمَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي نَصَارَى الْعَرَبِ . هَكَذَا أَطْلَقَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَفِيهِ شَيْءٌ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الضَّرْبُ الثَّانِي : الْكِتَابِيَّةُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ . وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ ، جَوَازُ نِكَاحِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى آبَائِهَا أَدَخَلُوا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَمْ بَعْدَهُ ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إِسْرَائِيلِيَّةٍ يَلْزَمُ دُخُولُ آبَائِهَا قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَإِنْ أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ هُوَ يَعْقُوبُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ زَمَانٌ طَوِيلٌ ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَدَخَلَ كُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فِي زَمَانِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ ، بَلْ فِي الْقَصَصِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ بَعْضِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَدْيَانِ الْفَاسِدَةِ ، وَبِتَقْدِيرِ اسْتِمْرَارِ هَذَا فِي الْيَهُودِ ، فَلَا يَسْتَمِرُّ فِي النَّصَارَى ، لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ فَأَصَرَّ عَلَى دِينِ مُوسَى . ثُمَّ مِنَ الْمُصِرِّينَ مَنْ تَنَصَّرَ عَلَى تَعَاقُبِ الزَّمَانِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَبَعْدَهُ ، وَلَكِنْ كَأَنَّ الْأَصْحَابَ اكْتَفَوْا بِشَرَفِ النَّسَبِ وَجَعَلُوهُ جَابِرًا لِنَقْصِ دُخُولِ الْآبَاءِ فِي الدِّينِ بَعْدَ التَّحْرِيفِ ، حَتَّى فَارَقَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ إِذَا دَخَلَ آبَاؤُهُنَّ بَعْدَ التَّحْرِيفِ . وَأَمَّا الدُّخُولُ فِيهِ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَا تُفَارِقُ فِيهِ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ غَيْرَهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 138 | النووي / زهير الشاويش