إِحْدَاهَا : قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، فَإِنْ وَقَعَ قَوْلُهُ : مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ ، مَفْصُولًا عَنْ قَوْلِهِ : لَهُ أَلْفٌ ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ . وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا ، فَقَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : يُقْبَلُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامٌ وَاحِدٌ ، فَيَعْتَبِرُ جُمْلَةً وَلَا يُبَعَّضُ ، فَعَلَى هَذَا لِلْمُقَرِّ لَهُ تَحْلِيفُهُ إِنْ كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ . وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ : لَا يُقْبَلُ ، وَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ ، وَيُبَعَّضُ إِقْرَارُهُ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَيُلْغَى آخِرُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ بِهِ مَا يَرْفَعُهُ ، فَأَشْبَهَ قَوْلُهُ : أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي . فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ : كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ ، وَظَنَنْتُهُ يَلْزَمُنِي ، فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى نَفْيِهِ . وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يَنْتَظِمُ لَفْظُهُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَكِنَّهُ يَبْطُلُ حُكْمُهُ شَرْعًا ، بِأَنْ أَضَافَ الْمُقَرُّ بِهِ إِلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ ، كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، وَخِيَارٍ مَجْهُولٍ . أَوْ قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِ فُلَانٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، أَوْ ضَمِنْتُ لِفُلَانٍ كَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَكُنْتُ أَوَدُّ لَوْ فَصَلَ فَاصِلٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ جَاهِلًا بِأَنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ لَا يَلْزَمُ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا ، فَيُعْذَرَ الْجَاهِلُ دُونَ الْعَالِمِ ، لَكِنْ لَمْ يَصِرْ إِلَيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ . أَمَّا إِذَا قَدَّمَ الْخَمْرَ فَقَالَ : لَهُ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ عَلَيَّ الْأَلْفُ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ .
الثَّانِيَةُ : قَالَ : عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ ، إِذَا سَلَّمَهُ سَلَّمْتُ الْأَلْفَ ، فَطَرِيقَانِ :
أَحَدُهُمَا : طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ . فَفِي قَوْلٍ : يُقْبَلُ وَلَا يُطَالَبُ بِالْأَلْفِ إِلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ . وَفِي قَوْلٍ : يُؤَاخَذُ بِأَوَّلِ الْإِقْرَارِ .
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ : الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ آخِرًا هُنَا لَا يَرْفَعُ الْأَوَّلَ ، بِخِلَافِ ثَمَنِ الْخَمْرِ . وَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَ : عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَقَطْ ، ثُمَّ قَالَ مَفْصُولًا عَنْهُ : لَمْ أَقْبِضْ ذَلِكَ الْعَبْدَ ، قُبِلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِقْرَارَ بِالْعَبْدِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ قَبْضِهِ . وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ، ثُمَّ قَالَ مَفْصُولًا : هُوَ ثَمَنُ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ ، لَمْ يُقْبَلْ . وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا ، بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 396
مساهمون: النووي
ص٣٩٦