تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ ، بِخِلَافِ مَا لَا يُطَاقُ لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ , وَهَؤُلَاءِ مُوَافِقُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي الْمَعْنَى ، لَكِنَّ كَوْنَهُمْ جَعَلُوا مَا يَتْرُكُهُ الْعَبْدُ لَا يُطَاقُ لِكَوْنِهِ تَارِكًا لَهُ مُشْتَغِلًا بِضِدِّهِ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ , فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّ فِعْلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ لَا يُطِيقُهُ ! وَهُمُ الْتَزَمُوا هَذَا ، لِقَوْلِهِمْ : إِنَّ الطَّاقَةَ - الَّتِي هِيَ الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ - لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ! فَقَالُوا : كُلُّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُهُ ! وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ ، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ الِاسْتِطَاعَةِ . وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُقَارِنًا لِلْفِعْلِ ، فَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ [ إِنَّمَا ] هُنَاكَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ , وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } [ هُودٍ : 20 ] . { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } [ الْكَهْفِ : 67 ، 72 ، 75 ] , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِرَادَةُ مَا سَمَّوْهُ اسْتِطَاعَةً ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى كَوْنِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ، وَلَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُقَارِنَ لَكَانَ جَمِيعُ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ قَبْلَ السَّمْعِ ! فَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ بِذَلِكَ مَعْنًى ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ لِبُغْضِهِمُ الْحَقَّ وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ ، إِمَّا حَسَدًا لِصَاحِبِهِ ، وَإِمَّا اتِّبَاعًا لِلْهَوَى , لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ , وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ ، لِمُخَالَفَةِ مَا يَرَاهُ لِظَاهِرِ الشَّرْعِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمٌ , وَهَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَسَائِرُ الْأُمَمِ ، فَمَنْ يُبْغِضُ غَيْرَهُ يُقَالُ : إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ يُحِبُّهُ يُقَالُ : إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ عُقُوبَتَهُ ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ ، لَا لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِ ، فَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا تَقُولُ 1 : لَأَضْرِبَنَّهُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَالْمُرَادُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ . وَلَيْسَ هَذَا عُذْرًا ، فَلَوْ لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ إِلَّا بِمَا يَهْوَوْنَهُ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 71 ] . وَقَوْلُهُ : وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ . أَيْ : وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ , وَهَذِهِ الطَّاقَةُ هِيَ الَّتِي مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ ، لا التي من جهة الصحة
هامش
1 في الأصل : يقال .