وَالنَّصَارَى عَنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَجْرَيْنِ وَإِعْطَائِهِمْ هُمْ أَجْرًا أَجْرًا ، قَالَ : " هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ " 1 وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَةِ إِطْلَاعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ فِي عَطَائِهِ وَمَنْعِهِ ، بَلْ إِذَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَةِ الْعَبْدِ ، حَتَّى أَبْصَرَ طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَأَمْرِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ ، وَتَخْصِيصِهِ وَحِرْمَانِهِ ، وَتَأَمَّلَ أَحْوَالَ مَحَالِّ ذَلِكَ ، اسْتَدَلَّ بِمَا عَلِمَهُ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ , وَلَمَّا اسْتَشْكَلَ أَعْدَاؤُهُ الْمُشْرِكُونَ هَذَا التَّخْصِيصَ ، قَالُوا : { أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } ؟ قَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [ الْأَنْعَامِ : 53 ] . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ 2 ، تَرَ فِي ضِمْنِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِغَرْسِ شَجَرَةِ النِّعْمَةِ فَتُثْمِرُ بِالشُّكْرِ ، مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِغَرْسِهَا ، فَلَوْ غُرِسَتْ فِيهِ لَمْ تُثْمِرْ ، فَكَانَ غَرْسُهَا هُنَاكَ ضَائِعًا لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الْأَنْعَامِ : 124 ] , فَإِنْ قِيلَ : إِذَا حَكَمْتُمْ بِاسْتِحَالَةِ الْإِيجَادِ مِنَ الْعَبْدِ ، فَإِذًا لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا ؟ قِيلَ : الْعَبْدُ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً ، " وَلَهُ قُدْرَةٌ حَقِيقَةً " . قَالَ تَعَالَى : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } [ الْبَقَرَةِ : 197 ] , { فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ هُودٍ : 36 ] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ . وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُ الْعَبْدِ فَاعِلًا ، فَأَفْعَالُهُ نَوْعَانِ : نَوْعٌ يَكُونُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَيَكُونُ صِفَةً لَهُ وَلَا يَكُونُ فِعْلًا ، كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ . وَنَوْعٌ يَكُونُ مِنْهُ مُقَارِنًا لِإِيجَادِ قُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، فَيُوصَفُ بِكَوْنِهِ صِفَةً وَفِعْلًا وَكَسْبًا لِلْعَبْدِ ، كَالْحَرَكَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ , وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْعَبْدَ فَاعِلًا مُخْتَارًا ، وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَلِهَذَا أَنْكَرَ السَّلَفُ الْجَبْرَ ، فَإِنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عَاجِزٍ ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْإِكْرَاهِ ، يُقَالُ : لِلْأَبِ " وِلَايَةُ " إِجْبَارِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ 3 ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الثَّيِّبِ الْبَالِغِ ، أَيْ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مُكْرَهَةً , وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْإِجْبَارِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خالق الإرادة
هامش
1 البخاري في حديث لابن عمر أوله " إنما بقاؤكم . . . " .
2 قال عفيفي : انظر ص 331 ج 1 من " مختصر الموصلي " .
3 قال عفيفي : انظر ص 332 ج 1 من " مختصر الموصلي " .