تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا , يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا . { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الْأَنْبِيَاءِ : 23 ] " . ش : فَقَوْلُهُ : لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ , قَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ الْبَقَرَةِ : 286 ] . { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ الأنعام : 152 والأعراف : 42 والمؤمنون : 62 ] . وعند أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ جَائِزٌ عَقْلًا ، ثُمَّ تَرَدَّدَ أَصْحَابُهُ [ أَنَّهُ ] : هَلْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ أَمْ لَا ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُرُودِهِ بِأَمْرِ أَبِي لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ، [ وَأَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ , وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ، وَهُوَ مُحَالٌ , وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بالمنع : فلا نسلم بأنه مَأْمُورٌ ] بِأَنْ يُؤْمِنَ [ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ] ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي بِهَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَانِ كَانَتْ حَاصِلَةً ، فَهُوَ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْ تَحْصِيلِ الْإِيمَانِ 1 ، فَمَا كُلِّفَ إِلَّا مَا يُطِيقُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ . وَلَا يَلْزَمُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ الْبَقَرَةِ : 31 ] , مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ، وَلَا لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : " أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ " ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفِ طَلَبِ فِعْلٍ يُثَابُ فَاعِلُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ ، بَلْ هُوَ خِطَابُ تَعْجِيزٍ , وَكَذَا لَا يَلْزَمُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [ الْبَقَرَةِ : 286 ] ؛ لِأَنَّ تَحْمِيلَ مَا لَا يُطَاقُ لَيْسَ تَكْلِيفًا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَهُ جَبَلًا لَا يُطِيقُهُ فَيَمُوتَ , وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَيْ لَا تُحَمِّلْنَا مَا يَثْقُلُ عَلَيْنَا أَدَاؤُهُ وَإِنْ كُنَّا مُطِيقِينَ لَهُ عَلَى تَجَشُّمٍ وَتَحَمُّلٍ مَكْرُوهٍ ، قَالَ : فَخَاطَبَ الْعَرَبَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعْقِلُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَقُولُ لِلرَّجُلِ يُبْغِضُهُ : مَا أُطِيقُ النَّظَرَ إِلَيْكَ ، وَهُوَ مُطِيقٌ لِذَلِكَ ، لَكِنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ , وَلَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ يُكَلِّفَهُ بِحَمْلِ جَبَلٍ بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ يُثَابُ وَلَوِ امْتَنَعَ يُعَاقَبُ ، كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُمْتَنَعِ عَادَةً ، دُونَ الْمُمْتَنَعِ لِذَاتِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهُ ، فَلَا يُعْقَلُ الْأَمْرُ بِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا .
هامش
1 قال عفيفي : انظر ص 36 - 37 ج 1 من " موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول " لابن تيمية . " منهاج السنة " ج 1 ص 90 - 91 طبعة المدني وص 34 ، ط بولاق .