تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَعَنْهُ تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطُّرُقُ : فَطَائِفَةٌ أَخْرَجَتْ أَفْعَالَهُمْ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَائِفَةٌ أَنْكَرَتِ الْحُكْمَ وَالتَّعْلِيلَ ، وَسَدَّتْ بَابَ السُّؤَالِ , وَطَائِفَةٌ أَثْبَتَتْ كَسْبًا لَا يُعْقَلُ ! جَعَلَتِ الثَّوَابَ " وَالْعِقَابَ " عَلَيْهِ , وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتْ لِأَجْلِهِ وُقُوعَ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ ، وَمَفْعُولٍ بَيْنَ فَاعِلَيْنِ ! وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتِ الْجَبْرَ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ! وَهَذَا السُّؤَالُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ . وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْهُ ، أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الذُّنُوبِ الْوُجُودِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَهِيَ عُقُوبَةٌ لَهُ عَلَى ذُنُوبٍ قَبْلَهَا ، فَالذَّنْبُ يُكْسِبُ الذَّنْبَ ، وَمِنْ عِقَابِ السَّيِّئَةِ السيئةُ بَعْدَهَا . فَالذُّنُوبُ كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي يُورِثُ بَعْضُهَا بَعْضًا . يَبْقَى أَنْ يُقَالَ : فَالْكَلَامُ فِي الذَّنْبِ الْأَوَّلِ الْجَالِبِ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ؟ يُقَالُ : هُوَ عُقُوبَةٌ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ فِعْلِ مَا خُلِقَ لَهُ وَفُطِرَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لا شريك له ، وفطره على محبته وتأليهه وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [ الرُّومِ : 30 ] , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا خُلِقَ لَهُ وَفُطِرَ عَلَيْهِ ، مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَعُبُودِيَّتِهِ ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ , عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي ، فَإِنَّهُ صَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا قَابِلًا لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ الْخَيْرُ الَّذِي يَمْنَعُ ضِدَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ الشَّرُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [ يُوسُفَ : 24 ] . وَقَالَ إِبْلِيسُ : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } [ ص : 82 , 83 ] , وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الْحِجْرِ : 41 , 42 ] , وَالْإِخْلَاصُ : خُلُوصُ الْقَلْبِ مِنْ تَأْلِيهِ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، فَخَلَصَ لِلَّهِ ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ الشَّيْطَانُ , وَأَمَّا إِذَا صَادَفَهُ فَارِغًا مِنْ ذَلِكَ ، تَمَكَّنَ مِنْهُ بِحَسَبِ فَرَاغِهِ ، فَيَكُونُ جَعْلُهُ مُذْنِبًا مُسِيئًا فِي هَذِهِ الْحَالِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى عَدَمِ هَذَا الْإِخْلَاصِ . وَهِيَ مَحْضُ الْعَدْلِ . فَإِنْ قُلْتَ : فَذَلِكَ الْعَدَمُ مَنْ خَلَقَهُ فِيهِ ؟ قِيلَ : هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ الْعَدَمَ كَاسْمِهِ ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَعَلُّقِ التَّكْوِينِ وَالْإِحْدَاثِ بِهِ ، فَإِنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ لَيْسَ أَمْرًا وُجُودِيًّا حَتَّى يُضَافَ إِلَى الْفَاعِلِ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الِاسْتِفْتَاحِ : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ،