تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧

أفعال العباد خلق لله وكسب من العباد

: قوله : " وأفعال العباد [ هي ] خَلْقُ اللَّهِ وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ " . ش : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةِ , فَزَعَمَتِ الْجَبْرِيَّةُ ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي : أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي أَفْعَالِ الْخَلْقِ كُلِّهَا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ كُلُّهَا اضْطِرَارِيَّةٌ ، كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ ، وَالْعُرُوقِ النَّابِضَةِ ، وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ ، وَإِضَافَتِهَا إِلَى الْخَلْقِ مَجَازٌ ! وَهِيَ عَلَى حَسَبِ مَا يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى مَحَلِّهِ دُونَ مَا يُضَافُ إِلَى مُحَصِّلِهِ ! وَقَابَلَتْهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ ، فَقَالُوا : إِنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِخَلْقِهَا ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَمْ لَا ؟ ! وَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ : أَفْعَالُ الْعِبَادِ بِهَا صَارُوا مُطِيعِينَ وَعُصَاةً ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِخَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ ، لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ , فَالْجَبْرِيَّةُ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ ، فَنَفَوْا صُنْعَ الْعَبْدِ " أَصْلًا " ، كَمَا عَمِلَتِ الْمُشَبِّهَةُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ ، فَشَبَّهُوا , وَالْقَدَرِيَّةُ نُفَاةُ الْقَدَرِ جَعَلُوا الْعِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى , وَلِهَذَا كَانُوا مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، بَلْ أَرْدَأُ مِنَ الْمَجُوسِ ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَجُوسَ أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ ، وَهُمْ أَثْبَتُوا خَالِقِينَ ! ! وَهَدَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ السُّنَّةِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَكُلُّ دَلِيلٍ صَحِيحٍ يُقِيمُهُ الْجَبْرِيُّ ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا مُرِيدٍ وَلَا مُخْتَارٍ ، وَأَنَّ حَرَكَاتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ , وَكُلُّ دَلِيلٍ صَحِيحٍ يُقِيمُهُ الْقَدَرِيُّ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً ، وَأَنَّهُ مُرِيدٌ لَهُ مُخْتَارٌ لَهُ حَقِيقَةً ، وَأَنَّ إِضَافَتَهُ وَنِسْبَتَهُ إِلَيْهِ إِضَافَةُ حَقٍّ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ , فَإِذَا ضَمَمْتَ مَا مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ إِلَى حَقِّ الْأُخْرَى , فَإِنَّمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ ، مِنْ عُمُومِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ لِجَمِيعِ مَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ ، وَأَنَّ الْعِبَادَ فَاعِلُونَ لِأَفْعَالِهِمْ حَقِيقَةً ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهَا الْمَدْحَ وَالذَّمَّ . وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَإِنَّ أَدِلَّةَ الْحَقِّ لَا تَتَعَارَضُ ، وَالْحَقُّ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَيَضِيقُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ عَنْ ذِكْرِ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ ، وَلَكِنَّهَا تَتَكَافَأُ وَتَتَسَاقَطُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلِ كل فريق بطلان قول الآخر , وَلَكِنْ أَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، ثُمَّ أُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على ما استدل عليه من الباطل : فما اسْتَدَلَّتْ بِهِ الْجَبْرِيَّةُ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } [ الْأَنْفَالِ : 17 ] . فَنَفَى اللَّهُ عَنْ نَبِيِّهِ الرَّمْيَ ، وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ , قَالُوا : وَالْجَزَاءُ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَى الْأَعْمَالِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ " ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 437 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء