يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " 1 .
وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَدَرِيَّةُ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] , قَالُوا : وَالْجَزَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَعْمَالِ ترتب الْعِوَضِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ ألم السجدة : 17 والأحقاف : 14 والواقعة : 24 ] . { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الأعراف : 42 ] . وَنَحْوُ ذَلِكَ .
فَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّتْ بِهِ الْجَبْرِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } [ الْأَنْفَالِ : 17 ] , فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ لِرَسُولِهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] رَمْيًا ، بِقَوْلِهِ : { إِذْ رَمَيْتَ } ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُثْبَتَ غَيْرُ الْمَنْفِيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّمْيَ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ : فَابْتِدَاؤُهُ الْحَذْفُ ، وَانْتِهَاؤُهُ الْإِصَابَةُ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى رَمْيًا ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ , وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : وَمَا أَصَبْتَ إِذْ حَذَفْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَصَابَ , وَإِلَّا فَطَرْدُ قَوْلِهِمْ : وَمَا صَلَّيْتَ إِذْ صَلَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ صَلَّى ! وَمَا صُمْتَ إِذْ صُمْتَ ! وَمَا زَنَيْتَ إِذْ زَنَيْتَ ! وَمَا سَرَقْتَ إِذْ سَرَقْتَ ! ! وَفَسَادُ هَذَا ظَاهِرٌ .
وَأَمَّا تَرَتُّبُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ ، فَقَدْ ضَلَّتْ فِيهِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ ، وَهَدَى اللَّهُ أَهْلَ السُّنَّةِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . فَإِنَّ الْبَاءَ الَّتِي فِي النَّفْيِ غَيْرُ الْبَاءِ الَّتِي فِي الْإِثْبَاتِ ، فَالْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ " بَاءُ الْعِوَضِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ كَالثَّمَنِ لِدُخُولِ الرَّجُلِ إِلَى الْجَنَّةِ ، كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ الْعَامِلَ مُسْتَحِقٌّ دُخُولَ الْجَنَّةِ عَلَى رَبِّهِ بِعَمَلِهِ ! بَلْ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ , وَالْبَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ ألم السجدة : 17 ] وغيرها ، بَاءُ السَّبَبِ ، أَيْ بِسَبَبِ عَمَلِكُمْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ ، فَرَجَعَ الْكُلُّ إِلَى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] , فَمَعْنَى الْآيَةِ : أَحْسَنُ الْمُصَوِّرِينَ الْمُقَدِّرِينَ , وَالْخَلْقُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ التَّقْدِيرُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [ الرَّعْدِ : 18 والزمر : 62 ] .
هامش
1 مسلم عن حديث أبي هريرة وجابر وعائشة بألفاظ متقاربة .