الَّذِي تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ هُوَ الْأَوَّلُ ، وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ ، فَإِنَّ الصَّعْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لتجلي الله لعباده إذا لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، فَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْ كَانَ لَمْ يُصْعَقْ مَعَهُمْ ، فَيَكُونُ قَدْ جُوزِيَ بِصَعْقَةٍ يَوْمَ تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا ، فَجُعِلَتْ صَعْقَةُ هَذَا التَّجَلِّي عِوَضًا عَنْ صَعْقَةِ الْخَلَائِقِ لتجلي ربه يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمَ وَلَا تُهْمِلْهُ , وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بن أَبِي الدُّنْيَا ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ ، فَعَرْضَتَانِ جِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ ، وَعَرْضَةُ تَطَايُرِ الصُّحُفِ ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، وَحُوسِبَ حَسِابًا يَسِيرًا ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ، دَخَلَ النَّارَ " 1 . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا [ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ] أَنَّهُ أَنْشَدَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا :
وَطَارَتِ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي مُنَشَّرَةً . . . فِيهَا السَّرَائِرُ وَالْأَخْبَارُ تُطَّلَعُ 2
فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالْأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ . . . عَمَّا قَلِيلٍ وَلَا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ
أَفِي الْجِنَانِ وَفَوْزٍ لَا انْقِطَاعَ لَهُ . . . أَمِ الْجَحِيمِ فَلَا تُبْقِي وَلَا تَدَعُ
تَهْوِي بِسَاكِنِهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُمْ . . . إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا
طَالَ الْبُكَاءُ 3 فَلَمْ يُرْحَمْ تَضَرُّعُهُمْ . . . فِيهَا وَلَا رقية 4 تُغْنِي وَلَا جَزَعُ
لِيَنْفَعِ الْعِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ . . . قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رجعوا
هامش
1 ضعيف ، لأن الحسن البصري مدلس وقد عنعنه ، وهذه علة ، وإن ثبت سماعه من أبي هريرة وأبي موسى ، فإن ثبوت مطلق السماع لا يغني في رواية المدلس حتى يصرح بالتحديث كما هو مقرر في " المصطلح " ، إلا إذا ثبتت رواية الكتاب التي فيها التصريح بسماع الحسن من أبي موسى .
2 قال عفيفي : انظر المسألة الرابعة من كتاب " الروح " لابن القيم .
3 في الأصل : الكلام .
4 في الأصل : رقة .