الْمُبَارَكِ : لَوْ هَمَّ رَجُلٌ فِي الْبَحْرِ 1 أَنْ يَكْذِبَ فِي الْحَدِيثِ ، لَأَصْبَحَ وَالنَّاسُ يَقُولُونَ : فُلَانٌ كَذَّابٌ , وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ , وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ معظم أوقاته مشتغلا بالحديث ، والبحث عن سير الرُّوَاةِ ، لِيَقِفَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ ، وَشِدَّةِ حَذَرِهِمْ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالزَّلَلِ ، وَكَانُوا بِحَيْثُ لَوْ قُتِلُوا لَمْ يُسَامِحُوا أَحَدًا فِي كَلِمَةٍ يَتَقَوَّلُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا فَعَلُوا هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ , وَقَدْ نَقَلُوا هَذَا الدين إلينا كما نقل إليهم ، فهم تُرُكُ الْإِسْلَامِ 2 وَعِصَابَةُ الْإِيمَانِ ، وَهُمْ نُقَّادُ الْأَخْبَارِ ، وَصَيَارِفَةُ الْأَحَادِيثِ . فَإِذَا وَقَفَ الْمَرْءُ عَلَى هَذَا مِنْ شَأْنِهِمْ ، وَعَرَفَ حَالَهُمْ ، وَخَبَرَ صِدْقَهُمْ وَوَرَعَهُمْ وَأَمَانَتَهُمْ ظَهَرَ لَهُ الْعِلْمُ فِيمَا نَقَلُوهُ وَرَوَوْهُ , وَمِنْ لَهُ عَقْلٌ وَمَعْرِفَةٌ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ لَهُمْ [ مِنَ ] الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ نَبِيِّهِمْ وَسِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ بِهِ شُعُورٌ ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَهُمْ أَوْ مَظْنُونًا , كَمَا أَنَّ النُّحَاةَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ وَأَقْوَالِهِمَا مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِنْ كَلَامِ بُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَكُلُّ ذِي صَنْعَةٍ هُوَ أَخْبَرُ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَوْ سَأَلْتَ الْبَقَّالَ عَنْ أَمْرِ الْعِطْرِ ، أَوِ الْعَطَّارَ عَنِ الْبَزِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ! ! لَعُدَّ ذلك جهلا كبيرا .
وَلَكِنَّ النُّفَاةَ قَدْ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } مُسْتَنَدًا لَهُمْ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، فَكُلَّمَا جَاءَهُمْ حَدِيثٌ يُخَالِفُ قَوَاعِدَهُمْ وَآرَاءَهُمْ ، وَمَا وَضَعَتْهُ 3 خَوَاطِرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ رَدُّوهُ بِ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، تَلْبِيسًا مِنْهُمْ وَتَدْلِيسًا عَلَى مَنْ هُوَ أَعْمَى قَلْبًا مِنْهُمْ ، وَتَحْرِيفًا لِمَعْنَى الْآيِ عَنْ مَوَاضِعِهِ , فَفَهِمُوا مِنْ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ مَا لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا فَهِمَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَنَّهُ 4 يَقْتَضِي إِثْبَاتُهَا التَّمْثِيلَ بِمَا 5 للمخلوقين ! ثم
هامش
1 في الأصل : السجن .
2 " ترك " بضم التاء المثناة والراء : جمع " تريكة " بفتح التاء وكسر الراء ، وهي بيضة الحديد للرأس , يريد أنهم دروع الإسلام وحفظته .
3 في الأصل : وصفته .
4 في الأصل : أنها .
5 في الأصل : بها .