تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ " 1 . وَفَسَّرَ الْإِسْلَامَ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ ، وَالْإِيمَانَ بِالْإِيمَانِ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةِ , فَلَيْسَ لَنَا إِذَا جمعنا بينهم أن نجيب بغير ما أجاب النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا إِذَا أُفْرِدَ اسْمُ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِسْلَامَ ، وَإِذَا أُفْرِدَ الْإِسْلَامُ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْإِسْلَامِ مُؤْمِنًا بِلَا نِزَاعٍ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ ، وَهَلْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَلَا يُقَالُ لَهُ مُؤْمِنٌ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامُ الْإِيمَانَ ؟ فِيهِ النِّزَاعُ الْمَذْكُورُ , وَإِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَبِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ بِاسْمِ الْإِيمَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [ يُونُسَ : 62 , 63 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } [ الْحَدِيدِ : 21 ] وَأَمَّا اسْمُ الْإِسْلَامِ مُجَرَّدًا فَمَا عُلِّقَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ دُخُولُ الْجَنَّةِ ، لَكِنَّهُ فَرَضَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ دِينُهُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ ، وَبِهِ بَعَثَ النَّبِيِّينَ ، { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آلِ عِمْرَانَ : 85 ] . فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالَةَ اقْتِرَانِ الْإِسْلَامِ بِالْإِيمَانِ غَيْرُ حَالَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ، فَمَثَلُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ ، كَمَثَلِ الشَّهَادَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى ، فَشَهَادَةُ الرِّسَالَةِ غَيْرُ شَهَادَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ ، فَهُمَا شَيْئَانِ فِي الْأَعْيَانِ وَإِحْدَاهُمَا مُرْتَبِطَةٌ بِالْأُخْرَى فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ ، كَشَيْءٍ وَاحِدٍ , كَذَلِكَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ ، لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا إِسْلَامَ لَهُ ، وَلَا إِسْلَامَ لِمَنْ لَا إِيمَانَ [ لَهُ ] ، إِذْ لَا يخل الْمُؤْمِنُ مِنْ إِسْلَامٍ بِهِ يَتَحَقَّقُ إِيمَانُهُ ، وَلَا يَخْلُو الْمُسْلِمُ مِنْ إِيمَانٍ بِهِ يَصِحُّ إِسْلَامُهُ , وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَفِي كَلَامِ النَّاسِ كَثِيرَةٌ ، أَعْنِي فِي الْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ ، مِنْهَا : لَفْظُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ ، فَالْكُفْرُ إِذَا ذُكِرَ مُفْرَدًا فِي وَعِيدِ الْآخِرَةِ دَخَلَ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ الْمَائِدَةِ : 5 ] . وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَإِذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا كَانَ الْكَافِرُ مَنْ أَظْهَرَ كُفْرَهُ ، وَالْمُنَافِقُ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ . وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلَفْظُ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَلَفْظُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ ، وَلَفْظُ الفقير والمسكين ، وأمثال ذلك .
هامش
1 متفق عليه من حديث ابن عباس , وهو طرف من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة الليل . انظر " صفة الصلاة " .