تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وَيَشْهَدُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الْحُجُرَاتِ : 14 ] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ , وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : { قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14 ] : انْقَدْنَا بِظَوَاهِرِنَا ، فَهُمْ مُنَافِقُونَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ , وَأُجِيبُ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَرُجِّحَ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ كَامِلِي الْإِيمَانِ ، لَا أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ ، كَمَا نَفَى الْإِيمَانَ عَنِ الْقَاتِلِ ، وَالزَّانِي ، وَالسَّارِقِ ، وَمَنْ لا أمانة له . ويؤيد هذا سياق الآية ، فَإِنَّ السُّورَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى هُنَا فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَعَاصِي ، وَأَحْكَامِ بَعْضِ الْعُصَاةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } [ الْحُجُرَاتِ : 14 ] ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ مَا نَفَعَتْهُمُ الطَّاعَةُ ، ثُمَّ قَالَ : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } [ الْحُجُرَاتِ : 15 ] الْآيَةَ ، يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِي الْإِيمَانِ ، هُمْ هَؤُلَاءِ ، لَا أَنْتُمْ ، بَلْ أَنْتُمْ مُنْتَفٍ عَنْكُمُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ , يُؤَيِّدُ هَذَا : أَنَّهُ أَمَرَهُمْ ، أَوْ أَذِنَ لَهُمْ ، أَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا ، وَالْمُنَافِقُ لَا يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَنَفَى عَنْهُمُ الْإِسْلَامَ ، كَمَا نَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَمُنُّوا بِإِسْلَامِهِمْ ، فَأَثْبَتَ لَهُمْ إِسْلَامًا ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَمُنُّوا بِهِ عَلَى رَسُولِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَقَالَ : لَمْ تُسْلِمُوا ، بَلْ أَنْتُمْ كَاذِبُونَ ، كَمَا كَذَّبَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ : { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } [ الْمُنَافِقُونَ : 1 ] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَيَنْتَفِي بَعْدَ هَذَا التَّقْدِيرِ وَالتَّفْصِيلِ دَعْوَى التَّرَادُفِ ، وَتَشْنِيعُ مَنْ أَلْزَمَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ [ هُوَ ] الْأُمُورَ الظَّاهِرَةَ لكان ينبغي أن لا يقابل بذلك ، وَلَا يُقْبَلَ إِيمَانُ الْمُخْلِصِ ! وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَنْظِيرُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَنَّ حَالَةَ الِاقْتِرَانِ غَيْرُ حَالَةِ الِانْفِرَادِ . فَانْظُرْ إِلَى كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " 1 ، الْحَدِيثَ ، فَلَوْ قَالُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنْكَرُوا الرِّسَالَةَ : [ مَا ] كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ الْعِصْمَةَ ، بَلْ
هامش
1 متفق عليه من حديث جمع من الصحابة ، وهو حديث متواتر كما قال السيوطي ، وقد خرجت طائفة من طرقه في " الأحاديث الصحيحة " " 407 " .