تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
عَلَى مَرَاتِبَ : أَعْلَاهَا : أَنْ يَكُونَا مُتَبَايِنَيْنِ ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا هُوَ الْآخَرَ ، وَلَا جُزْءًا مِنْهُ ، وَلَا بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } [ الْأَنْعَامِ : 1 ] . { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } [ آلِ عِمْرَانَ : 3 ] , وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَيَلِيهِ : أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ الْبَقَرَةِ : 42 ] . { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } [ الْمَائِدَةِ : 92 ] . الثَّالِثُ : عَطْفُ بَعْضِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } [ الْبَقَرَةِ : 238 ] . { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [ الْبَقَرَةِ : 98 ] ، { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ } [ الْأَحْزَابِ : 7 ] . وَفِي مِثْلِ هَذَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ , وَالثَّانِي : أَنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ مُنْفَرِدًا ، كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَنَحْوِهُمَا ، تَتَنَوَّعُ دِلَالَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ . الرَّابِعُ : عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ لِاخْتِلَافِ الصِّفَتَيْنِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ } [ غَافِرٍ : 3 ] . وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ الْعَطْفُ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ فَقَطْ ، كَقَوْلِهِ : فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [ الْمَائِدَةِ : 48 ] , وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ . فَإِذَا كَانَ الْعَطْفُ فِي الْكَلَامِ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ ، نَظَرْنَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ : كَيْفَ وَرَدَ فِيهِ الْإِيمَانُ فَوَجَدْنَاهُ إِذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ مَا يُرَادُ بِلَفْظِ الْبِرِّ ، وَالتَّقْوَى ، وَالدِّينِ ، وَدِينِ الْإِسْلَامِ . ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنِ الْإِيمَانِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } [ البقرة : 177 ] الآيات . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، وَالْمُلَائِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ ؟ فَقَرَأَ : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } [ البقرة : 177 ] إلى آخر الآية ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ ، فَقَالَ : جاء