النَّفْيِ : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشُّورَى : 11 ] { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طَهَ : 110 ] . ثُمَّ قَالَ : " وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي " .
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَّا الْحَيْرَةَ وَالنَّدَمَ ، حَيْثُ قَالَ :
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا . . . وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ . . . عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ : يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالْكَلَامِ ، فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّ الْكَلَامَ يَبْلُغُ بِي إِلَى مَا بَلَغَ مَا اشْتَغَلْتُ بِهِ . وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ : لَقَدْ خُضْتُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ ، وَخَلَّيْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ ، وَدَخَلْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ ، وَالْآنَ فَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي رَبِّي بِرَحْمَتِهِ فَالْوَيْلُ لِابْنِ الْجُوَيْنِيِّ ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي ، أَوْ قَالَ : عَلَى عَقِيدَةِ عَجَائِزِ نَيْسَابُورَ . وَكَذَلِكَ قَالَ شَمْسُ الدِّينِ الْخُسْرَوْشَاهِيُّ ، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ تَلَامِذَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ ، لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ يوما ، فقال : ما تعتقده ؟ قَالَ : مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ : وَأَنْتَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ لِذَلِكَ مُسْتَيْقِنٌ بِهِ ؟ أَوْ كَمَا قَالَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : أَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ ، لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ ، وَبَكَى حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ . وَلِابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ . الْفَاضِلِ الْمَشْهُورِ بِالْعِرَاقِ :
فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ . . . حَارَ أَمْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا . . . رَبِحَتْ إِلَّا أَذَى السفر
فلحى الله الأولى زَعَمُوا . . . أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذكروا . . . خارج عن قوة البشر
وقال الخوفجي عِنْدَ مَوْتِهِ : مَا عَرَفْتُ مِمَّا حَصَّلْتُهُ شَيْئًا سِوَى أَنَّ الْمُمْكِنَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْمُرَجَّحِ ، ثُمَّ قَالَ : الْافْتِقَارُ وَصْفٌ سَلْبِيٌّ ، أَمُوتُ وَمَا عَرَفْتُ شَيْئًا . وَقَالَ آخَرُ : أَضْطَجِعُ عَلَى فِرَاشِي وَأَضَعُ اللحفة عَلَى وَجْهِي ، وَأُقَابِلُ بَيْنَ حُجَجِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي مِنْهَا شَيْءٌ .
وَمَنْ يَصِلْ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَإِلَّا تَزَنْدَقَ ، كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ ، ومن
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 209
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٢٠٩